والغرض أنّ العدل - وما أدراك ما العدل ؟ ! - حتم على الخالق والمخلوق ، وفرض على الرازق والمرزوق ، ولطف بين العابد والمعبود ، ونصف بين القاصد والمقصود . ما خرج شيءٌ عن حيطته ولا اتّسع شيءٌ - بعد رحمة اللَّه - كسعته .
وهو من الحقوق المتوازنة المتضاعفة والنسب المكرّرة المتضايفة .
فكما يجب على اللَّه - بحسب لطفه وكرمه وغناه وعظمه - أن يعدل في خلقه ويوصل كلّ ذي حقٍّ إلى حقّه - هو الذي آتى كلّ نفس هداها :
« أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
« 1 » ولا يظلم ربّك أحداً - فكذا يجب على الخلق معاملته بالعدل والخروج ممّا يجب له عليهم بحسب وسعهم وطاقتهم . وما هو إلّا لتحصيل استعدادهم لسعادتهم ، وإلّا فهو الغني عن طاعتهم وعبادتهم .
ويتفرّع هذا العدل على عدل الإنسان في نفسه بحسب مرتبة عقله وحسّه ، بأن يرشدها العقل إلى ما فيه صلاحها ونجاحها ، وتحصيل العلوم النافعة الكاملة ، والتخلّق بالأخلاق الكريمة الفاضلة ، والترفّع عن السجايا الذميمة السافلة ، ومداومة الصدق ، وملازمة الحقّ ، قولًا وفعلًا ، وعلماً وعملًا ، وقلباً وقالباً ، حاضراً وغائباً ، خفية وجهراً ، علانية وسرّاً . والميزان في كلّ ذلك من تعيين المحاسن والمقابح والمفاسد والمصالح
هامش
( 1 ) سورة طه 20 : 50 .