والنافع والضارّ والضعة والفخار هو العقل ، فقد عرفت أنّه هو الحكم العدل الذي إليه المرجع في هذه الأُمور وعليه المعوّل .
فحقّ النفس عليه وعدله فيها : إرشادها ، ودلالتها على محاسنها ومساوئها وما يسعدها ويشقيها ويهلكها وينجيها .
وحقّه عليها وعدلها معه : الرجوع إليه والمراجعة والانقياد له والمطاوعة والأخذ بأحكامه والوقوف على ما يرد عليها من ناحيته ومقامه ، فإنّ علومه عن تعليم وأحكامه من لدن عليم حكيم .
فإذا وقعت بين العقل والنفس هذه المعادلة وحصل الصلح بينهما ولزمت تلك المعاملة وقام كلٌّ بما يجب عليه من وظيفته وعمل كلّ منهما على شاكلته « 1 » وأخذت النفس بالسير على تلك الدلالة ، فقد تمّت لها جميع مراتب العدالة وأدّت كلّ ما عليها من الحقوق للخالق والمخلوق لا محالة .
وحينئذٍ فقد صار الإنسان إنساناً كاملًا وملكاً عادلًا وخيّراً فاضلًا ، مصدراً للخيرات وغوثاً يعمّ منه النفع والبركات .
[ أعلى مراتب العدالة ومحلّ تحقّقها ]
وهذه هي أعلى مراتب العدالة ، ولكنّها لا تحصل إلّاللأوحدي من الناس ممّن اختاره اللَّه واصطفاه وانتجبه وارتضاه ، واستحقّ خلافته على عباده وولاية الأمر في بلاده ؛ إذ معرفة تلك الحقوق تفاصيلًا وجملًا وأسباباً وعللًا ، وتمييز الراجح منها والأرجح ، والصالح والأصلح ، مع ما هي عليه من الكثرة والوفور
هامش
( 1 ) فلان يعمل على شاكلته ، أي : على طريقته وجهته . ( جمهرة اللغة 2 : 877 ) .