تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الواضحة والدلالات اللائحة ، من تصفّح أحوال تلك الذات الكريمة وكمالاتها الجسيمة ، مع عدم رجوعه إلى مؤدّب معلّم ، ولا مراجعته لشيءٍ من الكتب حادثة أو قديمة ، وما أراك مع هذا كلّه تقول إلّا : أنّ له معلم إلهي وأنّه ينتهي إلى علم غير متناهي ، وإلّا فمن أين عرف هذا العربي البحت الناشئ بين أُمّة تعبد الحجارة بعد النحت أنّ الوصف يوجب الحدّية ، وأنّ الحدّ ينافي الأحدية ، وأنّ العدّ والإثنينية يبطلان القدم والأزلية ، إلى غير ذلك ممّا صرفت حكماء اليونان وغيرهم في تحصيله أعمارها ، وأتعبت في البحث عنه عقولها وأفكارها ، وقضت في تعليمه وتعلّمه والتصنيف فيه ليلها ونهارها ، وهو عليه السلام يجيء به على صرف طبعه وترسّله من دون إتعاب فكرته وتأمّله ، فكأنّما يُملى عليه فيُمليه ، أو يقرأ في كتاب قد أُدرج كلُّ ذلك فيه ، أو يلوح له لوح سُطّرت تلك المعارف في مطاويه ، لا بل كأنّه يجري من سلسال أو ينحدر من جبال أو يفيض من ينبوع ، فتراها - مع أنّها على البديهة والارتجال - في غاية السهولة والاسترسال ، على أنّها محكمة البراهين والمعاني جزلة الألفاظ والمباني ، تزفّ لك من النفائس عرائس ومن الفرائد خرائد ، تملأُك بهجة ونوراً ، وتملؤُ لك كأساً تسقيك به شراباً طهوراً ، فيها برد الغليل وبرء العليل وشفاء الداء الدخيل . وعلى العلّات فمن لي بأن أنعت فضلها ، إلّاإذا أُعطيت قوّةً مثلها ، ولكن ما أظنّك - إذا أعطيتَ الإنصاف حقّه ودقّقت النظر في هذا المقام - إلّامستسلماً في نفسك لحقّية مذهب الإسلام عارفاً بأنّ له سرّاً عظيماً وخطراً كبيراً ، فإنّ لكل حقٍّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً . وإنّي - وحرمة الصدق وكلمته والحقّ وذمّته - لأعجب من أهل الفضل والكمال من علماء اليهود والنصارى ممّن أحرزوا بحرّية الأفكار وصحّة