وهو - مع ذلك - لا يزال يملي على الناس طول عمره العلوم السياسية والمعارف الإلهية بأقوم بيان وأقوى برهان . .
ولا أجدني مفرطاً مغالياً ولا في القول متعالياً لو قلت : إنّه لو اجتمعت الحكماء الأساطين من الأوّلين والآخرين من : الفرس ، واليونانيّين ، والآشوريّين ، والفهلويّين ، والمشّائين ، والإشراقيّين ، إلى غير ذلك من الطبقات ، وأعانهم في البيان فصحاء جميع اللغات ، على أن يأتوا بخطبة من خطبه الشهيرة ، لا بل بفصل من فصولها الخطيرة ، لوقفوا حيارى ، واعترفوا إقراراً ، وما وجدوا إلّاإلى العجز مصيراً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً !
احضر بقلبك ، وانظر بلبّك ، واصغ بسمع فؤادك ، ولا تبغ سوى الحقّ بجدّك واجتهادك ، وتأمّل في قوله عليه السلام من خطبة أُخرى من ( النهج ) تعرّض فيها لإبطال زيادة الصفة أيضاً ، حيث يقول :
« من وصفه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن عدّه فقد أبطل أزله ، ومن قال : كيف ، فقد استوصفه ، ومن قال : أين ، فقد حيّزه . عالم إذ لا معلوم ، وربّ إذ لا مربوب ، وقادر إذ لا مقدور » « 1 » .
يقول المستضيء بأنواره الراجي منه ( عزّ شأنه ) أن يجعله من المقتدين بآثاره :
إنّك لو أعطيت التأمّل حقّه في هذه الكلمات وأمثالها من خطبه في التوحيد والموعظة وسائر العلوم لخشيت عليك أن تنشقّ قلباً وتتمزّق عَجباً وعُجباً ، ولعلمت علماً يقينياً ووجدت وجداناً حسّياً ، بعد ملاحظة تلك الجهات
هامش
( 1 ) نهج البلاغة 212 .