تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
الضمائر صيتاً وفخاراً ، واستخرجوا من العلوم والصنائع ما ليس لأمره في الزمن الماضي مضارع ، ومع ذلك كيف تساهلوا في أمر الدين وتغافلوا عن طلب الحقّ المبين ، وبماذا يجيب أهل النَصف منهم إذا احتجّ الإسلام بمثل هذه الآية التي لا تُبارى والحجّة التي لا يستطيعون لها ردّاً ولا إنكاراً ؟ ! وأعجب من ذلك من قدّم عليها في الإسلام سواها ، وعدل بها من لم يقاربها في الفضل فضلًا عن أن يكون قد ساواها ! ولكنّك :
« لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
« 1 » . فنسأله ( تعالى ) الهداية لنا ولكافّة عباده ، والسعي لما يسعف برضاه ومراده . وقد جرّنا استطراد الكلام في المقالة إلى الخروج عمّا هو الغرض بالأصالة ، ولكن يشهد اللَّه ( تعالى ) أنّه ما حدانا على ذلك إلّاحبّ النصيحة والشفقة بأبناء النوع ، وأن أُبدي لهم المذهب الحقّ والكلمة الصحيحة ، و :
« اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ »
« 2 » « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة القصص 28 : 56 . ( 2 ) سورة القصص 28 : 28 . ( 3 ) هذا ويحسن هنا أن أُنبّهك على شيء ، وهو : أنّ الإمامية ما انفردوا بما اعتقدوا من وحدة الصفات مع الذات ، والردّ والمناكرة لما قالت الأشاعرة ، فقد أصاب في ذلك بعض الرشد الفاضل الأندلسي ( ابن رشد ) . راجع رسالته الموسومة : ( بمناهج الأدلّة في عقائد الملّة ) المتحلّية بزينة الطبع في القاهرة ، حيث قال في باب الصفات ما نصّه : ( فإنّ الأشعرية يقولون : إنّ هذه الصفات هي صفات معنوية ، وهي صفات زائدة على الذات ، فيقولون : إنّه عالم بعلم زائد على ذاته ، وحيٌّ بحياة زائدة كالحال في الشاهد . ويلزمهم - على هذا - أن يكون الخالق جسماً . . . ) إلى آخر كلامه . وهو وإن اضطرّه القصور آخر الأمر إلى الجمود عن إصابة الحقّ والفتور ، ولكنّه قد أصاب الصواب في التخلّص من تلك الضلالة ، ووقوف المرء دون ما يجهل خير من التقحّم على جهالة . ثمّ لا يخفى عليك أنّ ( ابن رشد ) قد أفرط في دعوى : أنّ تلك المقالة - أعني : زيادة الصفات - تشبه مقالة النصارى في دعوى الأقانيم وقولهم : ( أقانيم ثلاثة ، إله واحد ) . وللكلام مع أرباب هذه المقالة وبيان تناقضها وتهافتها واستحالتها مقام آخر . على أنّ جميع ما تقدّم كافٍ في استحالة التركيب ومطلق التعدّد والتجزية والتحليل في ذات الواجب ، تثليثاً كان أو تثميناً أو غيرهما . ولا فرق في ذلك بين الذات والصفات حيث تكون منتزعة من نفس الذات ، فتدبّر . ( منه رحمه الله ) . أقول : قوله : ( إنّ الإمامية ما انفردوا بما اعتقدوا . . . ) راجع فيه : نهج الحقّ 64 - 65 ، الحكمة المتعالية 3 : 312 و 6 : 133 ، دلائل الصدق 2 : 267 . وقوله : ( الفاضل الأندلسي ابن رشد ) فهاك ترجمته : أبو الوليد محمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد القرطبي . ولد في قرطبة سنة 520 ه ، وكان أبوه قاضي قرطبة ، فعلّم ابنه مبادئ الفقه والفلسفة ، وتدرّج في المراحل العلمية حتّى غدا قاضي قضاة قرطبة ومن العلماء في مجالات الفقه والفلسفة والرياضيات والفلك والطبّ والفيزياء . ودارت دورة الزمان عليه ، فسجن وأُحرقت كتبه ، ثمّ عاد من جديد إلى مهامه الأُولى ، إلى أن توفّي سنة 595 ه . ألّف ما يزيد على الثمانين كتاباً ، وترجمت بعض كتبه إلى العبرية واللاتينية ، ومن هذه الكتب : بداية المجتهد ، تهافت التهافت ، شرح جمهورية أفلاطون ، كتاب الكون ، الدعاوى ، فصل المقال . ( مرآة الجنان 3 : 362 ، شذرات الذهب 4 : 320 ، الأعلام للزركلي 5 : 318 ، موسوعة أعلام الفلسفة 1 : 22 - 28 ) . وقوله نقلًا عن ابن رشد : ( أن يكون الخالق جسماً . . . ) فانظر مناهج الأدلّة 55 .