[ أدلّة برهانية على امتناع تعدّد الواجب ]
إنّ أهل اللَّه قد أقاموا على توحيده من البراهين ما لا تسعه الدفاتر والدواوين ، ونحن نذكر لك برهاناً واحداً من أوضحها وأنقحها وأسهلها وأقربها إيصالًا إلى الغرض المقصود ، بحيث يهجم بك على الحقّ الواضح بغتة ، ويفجأ لك بالمراد وهلة ، ويعطيك الصواب حبوة ، ويقرّب لك بعيد الشقّة بلا كلفة وعلى غير مؤنة ومشقّة . .
وهو : أنّه لو كان في الوجود واجبان أو أكثر لكانا مشتركين في وجوب الوجود البتّة تحقيقاً للإلهية ، ولو كانا كذلك لوجب أن يمتاز كلٌّ منهما عن الآخر بصفة ليست في شريكه تحقيقاً للإثنينية . .
ولو كانا كذلك - أعني : كونهما مشتركين في شيء ممتازين في آخر - جاء التركيب والإمكان ، وبطل الوجوب ؛ إذ يبقى صحّة السؤال من العقل : بأنّه لِمَ تركّبا ؟ ومن ركّبهما ؟
فإن قلت : هما ، لزم أن يؤثّر الشيء في إيجاد حقيقته وتركيب أجزائه ، وهو باطل بضرورة العقول .
وإن قلت : غيرهما ، نقلنا الكلام إليه ، وهلّم جرّاً .
على أنّ التركيب مستلزم للحاجة ، والحاجة - كما عرفت - تستلزم الإمكان ، بل هي بالنظر الأدقّ عين الإمكان . وحينئذٍ فقد صار ما فرضناه واجباً ممكناً ، وهذا خلف .
وأيضاً فتلك الصفة على كلّ حال إمّا أن تكون صفة نقص ، أو صفة كمال .
وعلى التقديرين فقد صارا ناقصين محتاجين .