والطيران بجناحي العلم والعمل ، وتهذيب النفس بتحلّيها بالفضائل بعد تخلّيها عن الرذائل ، حتّى يحصل لها من الصفاء والتجرّد ما تنال به نوعاً من الدلالة ينتهي إلى ما هو أقوى من المشاهدة والمعاينة ، حيث ينفتح لقلبه الأسماع والأبصار الباطنة .
وأعني بالعلم هنا : علم الأخلاق وتهذيب النفس ، فإنّه من أحسن الطرق إلى تحصيل العلوم والمعارف ، فإنّ العبد إذا واظب وألزم نفسه على التخلّق بالأخلاق المأنوسة الكريمة ، والتخلّي عن الرذائل الموحشة الذميمة التي يحكم عقله بحسنها بمقتضى الإنسانية وعلى صرف الطبيعة ، مع قطع النظر عن كلّ شارع وشريعة ، وذلك كالصدق والأمانة والعدل والإنصاف والحياء والعفاف والإحسان والشفقة والرأفة بنوع الإنسان بل سائر مخلوقات اللَّه ذوات الأنفس والأرواح حتّى النبات والحيوان ، بل وعظمة جلال اللَّه ، ما بُعثت الرسل والأنبياء ولا نزّلت الكتب على أيدي السفراء إلّاليتخلّق الخلق بتلك الأخلاق ولتبرأ من أضدادها الراجعة إلى الظلم والنفاق :
« هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ »
« 1 » .
والحكمة هنا هي التي ذكر ( سبحانه وتعالى ) جملةً منها في سورة الإسراء « 2 » ، فإنّه ( جلّت حكمته ) - بعد أن نهى عن الشرك ، وأمر بأداء حقوق الوالدين والمسكين وابن السبيل ، ونهى عن البخل والتبذير والزنى وقتل النفس والكبر ، وحثّ على الوزن بالقسط ، وغير ذلك من حميد الخصال وجميل
هامش
( 1 ) سورة الجمعة 62 : 2 .
( 2 ) راجع سورة الإسراء 17 : 22 - 38 .