اللَّه عليك ! ألا ما نظرت في يديك أو رجليك ، ثمّ انسبهما إلى عينيك ، فإنّك تجدهما في وهلة النظر وجذع الفكر ممّا لا ربط لأحديهما بالأُخرى ، ولا توقّف لفائدة اليد على العين وإن عظمت قدراً ؛ إذ العين فائدتها الإبصار ، واليد فائدتها الأخذ والدفع والقبض والبسط ، وليس بينهما علاقة جامعة ، ولا بين وجود أحدهما وعدم الآخر ممانعة ؛ إذ الأشلّ يبصر ، والأعمى عن بسط اليد وقبضها لا يقصر .
ولكن إذا حقّقت ودقّقت وتعمّقت في الفكرة وأغرقت وجدت أنّ فائدة كلٍّ من الجوارح بدون أُختها وبال وحسرة ونكال .
واعتبر في ذلك حال من دخل صحيحاً سويّاً إلى بستان قد أثمرت أشجارها وأزهرت ثمارها ، وحين هشّت نفسه وهمّ أن يتناول شيئاً منها شُلّت - ويا حرسك اللَّه - يداه ، أو جُذمت - ويا أعاذك اللَّه - رجلاه ، فعيناه تبصران ، ويداه ورجلاه تقصران ، أو عميت - ويا أجارك اللَّه - عيناه ، ويداه مبسوطتان .
فهل تراه يجتني إلّاالحسرة أو يتزوّد إلّاالزفرة ؟ !
وقس على هذا من بدنك سائر الأجزاء وجميع الجوارح والأعضاء .
ثمّ اعتبر من حال هذا العالم الصغير حال العالم الكبير ، ولطّف فكرتك ، ورجّع نظرتك ، وانظر في ارتباط أرضه بسمائه ، ونباته بمائه ، وحيوانه بإنسانه ، وشمسه بقمره ، وفلكه بملكه ، إلى غير ذلك ممّا يختلّ باختلاله النظام ولا يتمّ إلّا به الصلاح العامّ .
[ البرهان الصناعي على وحدة الصانع ]
وحينئذٍ فإذا تفطّن المتدبّر وبلغت فكرة المفكّر إلى عجيب هذا الصنع