« أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
« 1 » .
ووجه الاستدلال بهذا البيان - بحيث يعود إلى البرهان - هو : أنّ كلّ من تأمّل واعتبر ودقّق النظر وفكّر في كلّ جزءٍ من أجزاء العالم الكبير ، من الحقير والخطير ، من الذرّة إلى الذرى ، ومن العرش إلى الثرى ، وفسّر من كتاب اللَّه التكويني آية من آياته في أرضه أو سماواته ، وعرف من العالم حسن موضعها ولزوم موقعها ، واحتياج باقي الأجزاء إليها ، وتوقّف النظام عليها ، وارتباط بعض الأجزاء ببعض ، وما تعمل السماء ومائها في الأرض ، وتوقّف حياة أهلها على حياتها ، وحلاوة عيشهم بنباتها ، إلى غير ذلك ممّا يقصر عنه البيان ويكلّ دون أقلّه اللسان ، وإنّما يأتي عليه المتفكّر في نفسه ويصيبه المتأمّل بقوّة حدسه .
وهكذا لو نظر في العالم الصغير وطبّقه على العالم الكبير كتطبيق الكتابين :
الأنفسي ، والآفاقي ، وأجال بصيرة القلب وبصر العين في الغابر والباقي ، واستبطن الظاهر الجلي حتّى وصل إلى سرّه الباطن الخفي ، وعرف ما اشتملت عليه أجزاء بدنه من دقائق الحكم وعجائب الصنع وغرائب الإبداع وبواهر الاختراع ، وتلطّف حتّى رأى بمستحكم الإيقان ونيّر العرفان ما روعي في خلق الإنسان من الحكمة والإتقان ، حتّى صارت العين في ملوحة ، والأُذن في مرارة ، والفمّ في عذوبة ، ورُبطت الجوارح بعضها ببعض ، بحيث صار يتوقّف حصول الفائدة من كلّ جارحةٍ على حصول فائدة الأُخرى ، وعاد فقد بعضها موجباً لعدم الانتفاع بأخواتها وإن كانت صحيحة المجرى . .
هامش
( 1 ) سورة النمل 27 : 64 .