تُوجّه حواسّ الإدراك إلى عجيب صنع الأفلاك ، وما أحاطت به الأرضون والسماوات من عجائب المخلوقات ، واختلاف الليل والنهار ، واستقامة سير الفلك الدوّار ، وما للشمس في الأرض من عجائب الآثار ، وتربيتها للمعادن والحيوانات والأشجار ، وما يترتّب على حركتها أو حركة الأرض عليها من الفصول ، وما اشتملت عليه من الحكم والأسرار في الطلوع على الناس والأُفول ، وما اشتمل عليه عرش الملك الجليل من الدقيق والجليل وغوادي حوادثه في الغدوّ والأصيل :
انظر إلى العرش على مائه * سفينة تجري بأسمائه
واعجب له من مركبٍ دائر * قد أودع الخلق بأحشائه
يسبحُ في لجٍّ بلا ساحل * في جندل الغيب وظلمائه
وموجه أحوال عشّاقه * وريحه أنفاس أبنائه
فلو تراه بالورى سائراً * من ألف الخطّ إلى يائه
ويرجع العود إلى بدئه * ولا نهايات لإبدائه
يكوّر الليل على صبحه * وصبحُه يفنى بإمسائه
وبالجملة : فكلّ شيء يقع عليه بصرك وكلّ معنى يتصوّره فكرك - إذا دققّت النظر فيه وتوصّلت من باديه إلى خافيه - وجدته كتاباً مبيناً ودفتراً بأدلّة التوحيد مشحوناً .
ففي كلّ عضو من الإنسان ألف دليل على ذلك وبرهان ، ولكلّ نفس إلى ذلك النبأ الصادق عدّة سنن وطرائق .
كيف لا ! ( والطرق إلى اللَّه [ الخالق ] بعدد أنفاس الخلائق ) :
وجميعُ أوراق الغصون دفاترٌ * مشحونةٌ بأدلّة التوحيد