حقيقة الوجود شيء سوى ذاته .
وبعبارة أجلى بياناً وأعلى برهاناً : أنّ العقل لا يرى لما يفرضه في عالم التصوّر ويدركه في عالم الخارج إلّاالوجود أو العدم ، فالشيء - من حيث التحقّق والثبوت - إمّا موجود أو معدوم ، لا ثالث لهما ، ثمّ الموجود لا يخلو عنده إمّا أن يكون صرف الوجود ، بحيث لا يتطرّق إليه شيء من أنحاء العدم والنقص ، فيكون ذاته الوجود ليس إلّا ، أي : لا يرى فيه شيئاً وتركيباً من ضدّه ، وهو العدم أصلًا ، أو لا يكون كذلك ، بل يرى أنّ وجوده شيء زائد عليه لاحق به ، فهو مركّبٌ من الوجود ومن ذلك الشيء الذي انضمّ إلى الوجود انضماماً اعتبارياً وتركّب معه تركّباً ذهنياً عقلياً لا واقعياً خارجياً ، بل ليس في الخارج إلّاالوجود الناقص المحدود المشوب بالعدم .
فهو بذلك النظر الفرضي الاعتباري يرى التركيب والانضمام ، وبالنظر الواقعي الدقيقي لا يرى سوى الوجود المحدود على مراتبه في الشدّة والضعف والنقص والكمال ؛ إذ القسمة حاصرة : إمّا الوجود المحض ، أو العدم المحض ، أو المركّب منهما ، أعني : الوجود الناقص .
أمّا العدم المحض فهو باطل الذات والحقيقة .
فلم يبق في الخارج إلّاالوجود التامّ أو الناقص على مراتبه المختلفة غير المتناهية .
ثمّ إنّ العقل - بعد ذلك التقسيم الصحيح - يحكم بتّاً أنّ القسم الأوّل من الوجود لا يحتاج إلى علّة وسبب في وجوده ؛ إذ قد فرضنا أنّ ذاته الوجود ، والذاتي لا يعلّل ضرورةً ، فالوجود وجود بنفسه وموجود بنفسه ؛ إذ ثبوت الشيء لنفسه ضروري أيضاً .
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 263
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٢٦٣