وأنت جدّ خبير بما عليه الإنسان من غريزة حبّ الذات والميل إلى الشرّ والشهوات ، وأنّه حيوان قبلما هو إنسان ، وبهيم هامل قبل ما هو عاقل كامل ، فلا جرم أن يزفن « 1 » فرحاً ويطير طرباً بأقوال المادّيين و ( شميّل ) وإخوانه نابذاً وراءه نصائح قاطبة الأنبياء والكتب الإلهية والحكماء والفلاسفة وجماهير المصلحين في العالم ؛ إذ الشهوة تبعث الشوق ، والشوق يبعث الحبّ ، و : « الحبّ يعمي ويصمّ » « 2 » ، ويدفع إلى الشهوة بنفسه ، فكيف مع المرغّب والمساعد والمؤمّن والمطمّن ؟ !
هذه هي بواعث النفوس البشرية إلى الشرور الأدبية بل والمادّية - أيّها السائل - لا العناية الإلهية ، كما سردت في سؤالك وقرّرته عنك في إشكالك . بل لعلّك إلى هنا قد أحطت خبراً بأسباب كلّية الشرور في العالم بحسب دوائرها الثلاث التي لا يخرج عن حيطتها شرٌّ من الشرور ، وهي : الإمكانية ، والمادّية ، والأدبية ، وأصبت - بما قدّمناه لك من الشرح الذي لا أظنّك تعثر على مثله في غير هذه الصفحات من هذه الدعوة - نعم ، عساك أصبت من ذلك البيان رمز ما أوعزت إليه الحكماء من الفلاسفة والواصلون من أرباب المعارف في قولهم : ( إنّ جميع ما في العالم خير بالذات وإن ترتب على بعضه شرٌّ بالعرض ) « 3 » ، وما أشرنا إليه أوّل البحث من قولهم : ( لا يوجد في الكون إلّاالخير المحض ، أو
هامش
( 1 ) الزفن : الرقص . ( لسان العرب 6 : 58 ) .
( 2 ) ورد الحديث بلفظ : « حبّك الشيء يعمي ويصمّ » في : مسند أحمد 5 : 194 ، المعجم الأوسط للطبراني 5 : 183 .
( 3 ) لاحظ : النجاة لابن سينا 284 ، المباحث المشرقية 2 : 548 ، شرح الإشارات للطوسي 3 : 302 و 304 و 308 ، الحكمة المتعالية 7 : 62 .