بالصدفة والاتّفاق ، لا بالقصد والاختيار والشعور والإدراك « 1 » .
ولكنّي لا أزيدك بياناً على ما سبق في أمر الصدفة وبيان مكانها من الفساد والبطلان « 2 » .
وحيث تجلّى فساد هذه المضلّة لآخرين ، تملّصوا عنها وحسبوا أنّهم بلغوا المقام السامي من الفلسفة والعلم ، وقالوا : إنّ ارتقاء الكون إلى الحدّ الذي هو عليه الآن إنّما هو بالانتخاب الطبيعي ، أو بقاء الأصلح ، أو تفاعل العناصر وتركّبها على الأنحاء المخصوصة « 3 » ، وما أشبه ذلك من الألفاظ الفارغة عن كلّ معنى محصّل صريح أو مأوّل ، خبط عشواء في غارة شعواء « 4 » !
ليت شعري ألا سائل يسألهم : ما هو الانتخاب الطبيعي ؟ ومن هو ؟ ومن أين جاء ؟ وممّ تكوّن ؟ ومن كوّنه ؟ وهل المنتخب هو تلك القوّة المجرّدة الروحية التي نذهب إليها ، فيا حبّذا الوفاق ! أو تلك المادّة العمياء ، فقد خُرتم أيّ خوار ، وعدتم إلى ما كنتم عليه ، ودرتم دور الحمار في الطاحونة ، يسري في نهاره طول زمانه وهو لم يخرج من دائرة مكانه ! !
سلهم : أيّهم بذلك زعيم « 5 » ؟ !
سلهم : من المنتخب لذلك الانتخاب الطبيعي ؟ أهي نفس الطبيعة العمياء انتخبت نفسها ، وعملت في ذاتها ، وأصلحت مواليدها ، وخرقت في ذلك
هامش
( 1 ) تقدّم ذكر المصادر في مسألة القول بالصدفة ، فراجع .
( 2 ) سبق في ص 194 وما بعدها .
( 3 ) تقدّم ذكر المصادر في مسألة القول بالانتقاء ونظرية دارون ، فراجع .
( 4 ) غارة شعواء : متفرّقة . ( القاموس المحيط 4 : 351 ) .
( 5 ) زعيم : كفيل . ( جمهرة اللغة 2 : 816 ) .