وبعبارة صناعية : أنّ من المحتمل أن يكون بقاء تلك النعم - بعد الالتفات إليها - منوطاً بشكره عليها ، وشكره ضرورياً منوط وموقوف على معرفته ؛ إذ الشكر هو : الثناء عليه بما يليق به وينبغي له ، فتجب المعرفة دفعاً لذلك الضرر المحتمل ، إمّا مقدّمة للشكر أو بنفسها .
ويحصل من هذا البيان برهان صناعي ، وهو : أنّ المعرفة مقدّمة للشكر الواجب دفعاً للضرر ، وكلّ واجب فمقدّمته واجبة عقلًا ، فالمعرفة إذاً واجبة عقلًا .
ويصحّ جعل الوسط نفس دفع الضرر ، لتكون المعرفة واجبة بالذات لا بالمقدّمة .
والمراد بالشكر هنا - كما عرفت - الثناء الجميل أو فعل المحبوب أو الأعمّ منهما ، لا خصوص الطاعة وامتثال الأمر ، ليتطرّق المنع من وجوبه بهذا المعنى ، إلّا بعد ثبوت وجوب الطاعة ومعرفة المطاع وما يطاع به ، فيلزم ما يسمّونه « 1 » :
بالدور « 2 » ؛ إذ هو بالمعنى المتقدّم لا يتوقّف إلّاعلى معرفة المنعم ؛ ليمكن الثناء عليه بما هو أهله وما يسوّغه للمرء عقله أو بموافقة ما فيه رضاه وما هو محبوبه ذاتاً لا أمراً وتكليفاً ، فتدبّره جيّداً .
هذا تحرير دليلهم على أتقن وأبين وجه .
ونحن نطويه على غرّه وبُلُلاته « 3 » ، ولا نعقّبه من القول إلّامن وجهة واحدة نجدها عميمة الجدوى :
هامش
( 1 ) لاحظ : نهج الحقّ 52 ، شرح الباب الحادي عشر 8 .
( 2 ) فإن الطاعة لا تجب إلّابعد المعرفة ، فلو كانت المعرفة لا تجب إلّامن جهة وجوب الطاعة لدار . ( منه رحمه الله ) .
( 3 ) طواه على بُلُلَته ، أي : على ما فيه من العيب . ( لسان العرب 1 : 491 ) .