تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
اتّفقوا في مبادي السير والحركة ووحدة الغاية والمقصد ، وطووا بسير واحد جمّ مراحل وجملة منازل ، حتّى إذا بلغوا ذلك المجهل ووقفوا على دارة أُمّ الطبائع والأجسام تنابذوا فيه وتشاغبوا وتشظّوا وتوزّعوا : فقال بعض : هذه هي الغاية التي نتطلّبها والضالّة التي ننشدها . وقال آخرون : بل هذه إحدى منازل السير ومراحل الطريق ، والغاية من وراءها ، وكيف تكون هي ضالّتنا وليس عليها أثر من آثارها ولا سِمة من سماتها ؟ ! وبعد طول الشغب والصخب افترقوا غير وادعين ، والخلاف جوهري ما بينهم . فسار قوم إلى حيث تيسّر لهم السير بعد أن عرفوا أنّ تلك التي تسمّى : بالمادّة أو الطبيعة إنّما هي نَشَاء الإرادة وإحدى نابتات أرضها المقدّسة . أمّا الآخرون فأخلدوا إلى أرض الطبيعة ، وهاموا بالبحث فيها ، وقصروا النظر عليها . وليس الغرض هنا الخوض في ذلك وفصل الخصومة فيما بينهم ، فإنّ لهذا المقام ما بعده ، وإنّما الأصيل بالقصد فيما هنا : أنّ الطبائع البشرية والغرائز الأوّلية مجتبلة ومفطورة حتّى كأنّها مقهورة على الطلب والبحث في العلل والأسباب والمبادي والغايات لكلّ شيء ، حتّى تجد وتعرف أو تكلّ وتقف . وهذه الغريزة من أكبر النواميس المتمّمة بل المقوّمة لنظام الكون والعمران ، كما لا يخفى على جهابذة الباحثين . فمغزى القوم من حكمهم بوجوب النظر ولزوم المعرفة إن كان إشارة إلى هذا الدافع الطبيعي والسائق الغريزي في النفوس فهو ممّا لا ريب فيه ، وإن كان