اتّفقوا في مبادي السير والحركة ووحدة الغاية والمقصد ، وطووا بسير واحد جمّ مراحل وجملة منازل ، حتّى إذا بلغوا ذلك المجهل ووقفوا على دارة أُمّ الطبائع والأجسام تنابذوا فيه وتشاغبوا وتشظّوا وتوزّعوا :
فقال بعض : هذه هي الغاية التي نتطلّبها والضالّة التي ننشدها .
وقال آخرون : بل هذه إحدى منازل السير ومراحل الطريق ، والغاية من وراءها ، وكيف تكون هي ضالّتنا وليس عليها أثر من آثارها ولا سِمة من سماتها ؟ !
وبعد طول الشغب والصخب افترقوا غير وادعين ، والخلاف جوهري ما بينهم .
فسار قوم إلى حيث تيسّر لهم السير بعد أن عرفوا أنّ تلك التي تسمّى :
بالمادّة أو الطبيعة إنّما هي نَشَاء الإرادة وإحدى نابتات أرضها المقدّسة .
أمّا الآخرون فأخلدوا إلى أرض الطبيعة ، وهاموا بالبحث فيها ، وقصروا النظر عليها .
وليس الغرض هنا الخوض في ذلك وفصل الخصومة فيما بينهم ، فإنّ لهذا المقام ما بعده ، وإنّما الأصيل بالقصد فيما هنا : أنّ الطبائع البشرية والغرائز الأوّلية مجتبلة ومفطورة حتّى كأنّها مقهورة على الطلب والبحث في العلل والأسباب والمبادي والغايات لكلّ شيء ، حتّى تجد وتعرف أو تكلّ وتقف .
وهذه الغريزة من أكبر النواميس المتمّمة بل المقوّمة لنظام الكون والعمران ، كما لا يخفى على جهابذة الباحثين .
فمغزى القوم من حكمهم بوجوب النظر ولزوم المعرفة إن كان إشارة إلى هذا الدافع الطبيعي والسائق الغريزي في النفوس فهو ممّا لا ريب فيه ، وإن كان
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 141
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص١٤١