تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
والمغارات الموحشة ، وما عناي وهمّي إلّافي توسعة العيش وترفيه مآزق هذه الحياة ومعالجة معامع « 1 » هذا الدهر ، ولا أعرف ولا أطلب شيئاً وراء ذلك . وهذا الصنف قد استراح إلى الجهل ، وسكن إلى ظلّه ، وأخمد مصباح عقله وتدرّع بلا أدري عن كلّ واردة ترد عليه ، فهو والبهيم سواء :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ »
« 2 » . وصنف سمت همّته وكبرت نفسه عن التلوّث بهذه الرذيلة - رذيلة الجهل التي هي أُمّ الرذائل وسمّ الفضائل - فبحث وسار ونقّب في الأثير وتطلّب الآثار وركب متن أفكاره السيّارة ، فجالت فيه حتّى وقفت به على أمر محسوس متحيّز متجرّد عن مبدأ كلّ شعور وإدراك ، فرأى أنّه هو المبدأ الأوّل لسائر المبادئ والغاية الأزلية التي ليس بعدها غاية . واختلفت الأسماء والعبارات عن هذا الشيء بين أهل هذا الصنف ، فبعض يسمّيها : بالطبيعة ، وبعض : بالمادّة الأُولى ، وآخرون : بالأثير ، وقوم : بهيولى الكلّ ، وطائفة تعبّر عنها : بالدهر ، أو : الجوهر ، أو : الزمان ، أو : القوّة والفعل « 3 » ، إلى غير ذلك من ألفاظ مختلفة المباني متقاربة المعاني ، اتّخذوها لمواليد الأكوان كلّها أباً وأُمّاً ، وجعلوها خرقاء حمقاء ، فأوسعوها لعناً وذمّاً ، وبالحري لها ذلك على ما أنتجت من هذا النتاج التعيس ! سار هذا الصنف مع الثالث مترافقين كتفاً لكتف وجنباً إلى جنب ، يتطلّبون الضالّة المنشودة والحقيقة الضائعة ، وما هي منهم ببعيدة .
هامش
( 1 ) المعامع : الفتن ، والعظائم . ( القاموس المحيط 3 : 88 ) . ( 2 ) سورة الأنفال 8 : 22 . ( 3 ) قارن : التوحيد للماتريدي 65 ، القبسات 157 ، الرحلة المدرسية 255 ، موقف العقل والعلم 1 : 119 - 120 .