خطور ( لمعة البرق ) أسرع ما يلمع ، ثمّ يزول ويعود المرء على عدوائه في سنن تلك النعسة الأُولى والتغافل عن الإمعان في فجاج هذه الأودية السحيقة ، فيغدو وقد صار كهلًا كما هو وقد كان طفلًا سوى ما يعانيه من مزاولة المادّيات ومقوّمات أود الحياة ، فيستخدم ذلك الروح المجرّد العاقل لهذا الجسد الكثيف الباطل الذي سوف لا يحصل منه على طائل .
نعم ، وقد تستمرّ تلك الحركة وتتكانف وتلزم حتّى تصير ملكة ، فتترامى من سبب إلى سبب ومن طلب إلى طلب ، ولا يجد أريحية ولا راحة من هذه المتاعب الفكرية والتجوّلات النظرية ما دام في أسر هذا الهيكل وفي سجن هذا البناء الذي سينهدم عليه ، فيتركه ويفرّ منه طالباً عسى أن يجد الحقيقة وراءه ، ولا أدري أيجدها أم لا ؟ !
مهما جهلتُ ذلك أو علمته فإنّي لا أشكّ أنّ أهل السلامة والاستقامة - أعني بها : سلامة القرائح والفِطر واستقامة الألباب وصحّة النظر - لا تزال أفكارهم المثقّفة تترامى في معارج النظر والمعرفة ، تتصاعد في سلّم المراقي إلى حيث شاءت لها القابليات والأسباب والمعدّات . كلّ ذلك بدافع طبيعي وسائق غريزي ، ثمّ لا محيص له في النهاية من الوقوف على غاية ، يطوي عليها سلسلة سائر الممكنات ، ويتّخذها غاية الأسباب والمسبّبات ، يجعلها مبدأً لكلّ شيء ، ولا مبدأ لها من شيء .
[ تقسيم الناس في طلب المعارف والسير في طلب الحقيقة ]
والناس في ذلك على ثلاثة أصناف لا رابع لها أبداً :
صنف يقول : لا أدري ولا يهمّني ولا يعنيني طلب هذه المواضيع المظلمة