والمرسلين على تلك القلاع الخلاء من كلّ منعة الفراغ من كلّ حصانة . قلب القلوب عن وجهتها ، وأبرد إلى العقول ، فحوّلها عن استقامة فطرها ، وأجهز على الديانات وكلّية الإصغاء إلى الطقوس والشرائع ، فأزهق روح حياتها وأخمد أضواء مصابيحها ، فأصبحت الأُمم تتخبّط خبط عشواء « 1 » في متايه الزندقة والإلحاد ومنازع إنكار المبدأ والمعاد الماحي لصورة كلّ شرف وحقيقة كلّ أدب وكيان كلّ كمال .
ومن جرّاء ذلك التنازع والتجاذب المتجاوزين حدود الأدب خلعت الناس ربقة كلّ ديانة ، وفزعت إلى التشبّث بما تمدّه لهم من أسلاك الهباء أوهام الطبيعة ، فلا إسلامية ولا نصرانية ولا جنانية ولا جهنمية .
تألّبت زعانفة من الأُمّة المسيحية وتغالت وتطرّفت في الطعن على شرف الإسلام ، حتّى تجاوزت الحدّ ، وخرجت عن الآداب ، وخدشت العواطف ، ومسّت شرف صاحب الرسالة بما لا يليق في حقّ رعاع الناس وسفلة البشر .
نعم ، خرجت عن آداب المناظرة إلى التسابب والمعايرة .
على أنّنا جميعاً لو تدرّبنا في المعرفة وتدبّرنا نواميس أدياننا معاً لما وجدناها تخوّلنا شيئاً من ذلك التضارب والتهارش والتسابب والتناهش .
إنّ الدين الإنجيلي الذي يقول : « من ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الأيسر ، ومن سخّرك فرسخاً فسر معه فرسخين » « 2 » ، والآيات الذهبية من القرآن المحمّدي الذي يقول :
« قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ
هامش
( 1 ) هذا من الأمثال . يقال : أخبط من عشواء ، وهي الناقة التي لا تبصر بالليل ، فتخبط كلّ شيء تمرّ به . والخبط : أن تطأهُ برجلها فتكسره . ( جمهرة الأمثال 1 : 441 ) .
( 2 ) انظر : إنجيل لوقا 38 - 39 ، بين الإسلام والمسيحية 286 .