المجادلات الكلامية ، وتترسّل في الإقناع بها ترسّلًا يكشف عنها القناع ، وتلذّ به الأسماع ، وتهشّ له الطباع بأُسلوب بيان يخرق الحجب الكثيفة ، ويهزّ العواطف الشريفة ، تتكهرب بسيّال سلاسته أسلاك الأذهان ، وتتقبّله القلوب قبل الآذان ، كي تنفسخ هناك شبهات المشكّكين وترتسخ في النفوس أُسس العقائد وأُصول الدين .
وقفت في وسطة مركزي وأرسلت أشعّة النظر إلى من في محيط دائرتي ، فوجدت الكثير من هذه الأشباح الماثلة والصور المتجوّلة - لا أخصّ منتحلة دين الإسلام بل عامّة الأنام - قد فرغ وطابها « 1 » ونغل أديمها « 2 » وحلم إهابها « 3 » وتملّصت أوابد نفوسها وشوارد قلوبها من عقلة الدين وروابط اليقين ورسوخ العقائد والخضوع إلى قادة الشرائع ، قد مرق الكثير إلى منازع الطبيعة ومخادع الملاحدة ، حتّى تغالوا وتطرّفوا فيها بما لا تتغالى وتتناصر به أهل المذاهب الحقّة لأديانها - سيّما الأحداث والأغرار والنشأ الصغار - واقتنع آخرون بظاهر النحلة ومجرد الاعتزاء والنسبة ، وهم من ضعف العلاقة بما يعتزون إليه على حال يميل بهم عنه لأوّل عارض شبهة ، وينقلبون عليه لأدنى نابض تشكيك . . ( حاشا من استحكمت بالمعارف عراهم ) ، وبالعزيز عليّ أن أقول : وقليل ما هم .
وجدت من أقوى الأسباب والعوامل في سريان الداء وانتشار عدوى هذا الهواء الأصفر على عقائد المسلمين ومروقهم من مشرق هذا الدين إلى منازع
هامش
( 1 ) الوطب : سِقاء اللبن خاصّة ، والجمع : وطاب ، وأوطاب . ( جمهرة اللغة 1 : 362 ) .
( 2 ) نغل الأديم : فسد في الدباغ . ( القاموس المحيط 4 : 60 ) .
( 3 ) الحَلَم : أن يفسد الإهاب ( الجلد ) في الغمل ( لفّ الإهاب ودفنه ليسترخي ) ، ويقع فيه دود ، فيتثقّب . ( صحاح اللغة 5 : 1903 ) .