حتّى وضع قوادمه على جدار الصين ، وظلّل بالثاني طرف المغرب إلى منتهى المحيط ، فقال للشمس : أينما أشرقت ففي ظلالي ، وللسحاب : أينما ودقت « 1 » ففي بيت مالي .
بلغ هذا الطائر المبارك الميمون من الفخامة والعظمة في أقلّ من قرن ونصف ما لم تبلغه أكبر دول العالم في عدّة قرون ، لا قبله ولا بعده ، إعجازاً باهراً وشأناً عظيماً .
ولا تسلني اليوم عمّا حلّ بهذا الطائر الحبيب إليّ ، فتسيل عبراتي وتستثير دفين زفراتي التي تطاير بأفلاذ كبدي وشظايا قلبي وتخمد ضئيل ضوء حياتي قبل رجع الجواب : بأنّه مسحت أطرافه ، وبترت ذنائبه ، حصّت « 2 » أجنحته ، كنعت « 3 » يداه ورجلاه ، دمغت هامته حتّى تداخلت في عنقه ، فاختنق صوته وأخفتت دعوته ، وأصبح كجؤجؤ في وسط العراء ، تكتنفه الذئاب والوحوش والقشاعم « 4 » والنسور . كلّ يوم تنهش قطعة من لحمه وتكسر عظيماً من عظمه ، وهو ينظر بعينه ، لا أيد تدفع ولا جناح سلاح يمنع ، فهو طعمة للحشرات من الهوام وللبغاث من الطير التي تستنسر في أرضه « 5 » ، وتلك زيادة في العلّة وجمرة على غلّة .
هامش
( 1 ) الودق : المطر كلّه ، شديده وهيّنه . ( لسان العرب 15 : 256 ) .
( 2 ) الحصّ : حلق الشعر . والطائر الأحصّ الجناح : القليل الريش . ( القاموس المحيط 2 : 309 ) .
( 3 ) الكَنْع : تشنّج في الأصابع وتقبّض . ( العين للفراهيدي 1 : 204 ) .
( 4 ) القشعم : النسر المسنّ . ( صحاح اللغة 5 : 2012 ) .
( 5 ) هذا مثل يضرب للعزيز يعزّ به الذليل ، فيقال : إنّ البُغَاث بأرضنا يستنسر . والبغاث : صغار الطير ، ويستنسر : يصير نسراً ، فلا يُقدر على صيده . ( جمهرة الأمثال 1 : 197 و 231 ) .