فإنّه اليوم بنفسه قد أشفى - لا سمح اللَّه - على الهلكة ، من أدواء في داخله ، وعلل في فؤاده ، ومزمنات أسقام في رئته وكبده . كيف ! وقد عاث الفساد في كلّ باقية من جوارحه ، فهو يعالج معضلات الداخل والخارج وموهنات الظاهر والباطن وصدمات العدوّ والصديق .
دع حديثك هذا ، فإنّه شجون « 1 » ، يسيل بذوب القلوب في شآبيب العيون « 2 » .
وأمّا وحرمته ، إنّي لأُحرّر فيما هنا والحسرات تتكسّر في صدري ، والدمع قبل القلم يجري ، والعبرات أمام العبارات تنهلّ . ويا حبّذا لو سمحت لي العناية بموقف تراق قطرة دم حياتي في سبيل حياته أمام الصفّ الذي تراق فيه دماء أُخواني اليوم ويضحّون حياتهم لأجله ، فيحيون الحياة السعيدة ، ويعيشون وراءها عيش الرغد والهناء ، سعادةً أنا من اليقين بها لأمثالهم على مثل ضوء الفلق :
« وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ »
« 3 » .
أوشك أن يفوت الغرض ، فعد إلى العلم والعمل والسيف والقلم ، عد إلى الجناحين الذين لا تحلق أُمّة إلى أوج الفخر ولا تخوض موج العزّ إلّابدفتيهما والاعتماد عليهما ، عد إلى هذه الأركان الأربعة والدعائم الممنعة التي تبنى عليها قبّة كلّ مجد وشرف وكلّ سعادة وسيادة ، وبمقدار قوّتها وارتفاعها ترتفع منازل الأُمم وتقوى العزائم والهمم .
هامش
( 1 ) هذا مثل يضرب في الحديث يتذكّر به غيره ، فيقال : الحديث ذو شجون . والشجن : الطريق . ( مجمع الأمثال 1 : 275 ) . والحديث ذو شجون ، أي : فنون وأغراض . ( لسان العرب 7 : 39 ) .
( 2 ) الشؤبوب : الدفعة من المطر ، وحدّ كلّ شيء وشدّة دفعه . ( القاموس المحيط 1 : 87 ) .
( 3 ) سورة فصّلت 41 : 35 .