فقال : ويلك ، ما تقول ؟ !
قلت : الأمر أشهر من ذلك .
فأرسل إلى أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة وسألهم عنّي فقالوا بأسرهم :
هذا دِعبِل بن عليّ الخزاعي .
فقال : قد أطلقت كلّ ما أخذ من القافلة خِلالةً فما فوقها كرامةً لك . ثمّ نادى في أصحابه : من أخذ شيئاً فليردّه ، فرجع على النّاس جميع ما أخذ منهم ورجع إلَيّ جميع ما كان معي ، ثمّ بَذْرَقنا « 1 » إلى المأمن فحُرستُ أنا والقافلة ببركة القميص والمنشفة « 2 » .
فانظر إلى هذه المنقبة ما أشرفها وما أعلاها ، وقد يقف على هذه القصّة بعض النّاس ممّن يطالع هذا الكتاب ويقرؤه فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات المعروفة بمدارس آيات ، ويشتهي الوقوف عليها ، وينسبني في إعراضي عن ذكرها إمّا إلى أنّني لم أعرفها ، أو أنّني جلهت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها ، فأحببت أن أُدخِل راحة على بعض النفوس ، وأن أدفع عنّي هذا النقص المتطرّق إليّ ببعض الظنون ، فأوردت منها ما يناسب ذلك ، وهي « 3 » :
ذكرت محلّ الرَبع من عرفات * فأسبَلتُ دمع العين بالعبرات « 4 »
هامش
( 1 ) البذرقة : الخفارة ، فارسي معرّب ، يقال : بعث السلطان بذرقة مع القافلة : أي خفراءوحرّاساً ، وقيل : البذرقة : العصمة أي يعتصم بها .
( 2 ) مطالب السؤول : 2 : 68 - 70 .
ورواه ابن العديم في تاريخ حلب : 7 : 3504 في ترجمة دِعبِل .
وأورده التنوخي في الفرج بعد الشدّة : ص 329 - 330 ثمّ قال : فقال راوي هذا الخبر عن دعبل فحدّثت بهذا الحديث علي بن بهز الكردي ، فقال لي : ذلك واللَّه أبي الّذي فعل هذا .
( 3 ) في ق ، ك ، م : « وهو » .
( 4 ) وفي ك : « في الوجنات » . في البحار : الربع - بالفتح - : الدار والمحلّة والمنزل ، انتهى . وأسبل الدمع : أرسله .