فلمّا خرج قال لأبي يوسف ومحمّد بن الحسن : « ما أعجب ! هذا يسألني أن أُكلّفه حاجة ليرجع وهو ميّت في هذه الليلة » !
قال : فغَمِز أبو يوسف محمّدَ بنَ الحسن فقاما ، فقال أحدهما للآخر : إنّا جئنا لنسأله عن الفرض والسنّة وهو الآن جاء بشيء آخر كأنّه من علم الغيب ، ثمّ بعثا برجل مع الرجل فقالا : اذْهَب حتّى تلازمه وتنظر ما يكون من أمره في هذه الليلةوتأتينا بخبره من الغد .
فمضى الرجل فنام في مسجد عند باب داره ، فلمّا أصبح سمع الواعية ورأى النّاس يدخلون داره ، فقال : ما هذا ؟
قالوا : مات فلان في هذه الليلة فُجأة من غير علّة .
فانصرف إليهما وأخبرهما ، فأتيا أبا الحسن عليه السلام فقالا : قد علمنا أنّك أدركت العلم في الحلال والحرام ، فمن أين أدركتَ أمرَ هذا الرجل الموكّل أنّه يموت في هذه الليلة ؟
قال : « من الباب الّذي كان أخبر بعلمه رسولُ اللَّه عليَّ بنَ أبي طالب عليه السلام » .
فلمّا ورد عليهما هذا بقيا لا يحيران جواباً « 1 » . « 2 »
وروى أنّ هارون الرشيد بعث يوماً إلى موسى عليه السلام على يدي ثقةٍ له طبقاً من السرقين الّذي هو على هيئة التين وأراد استخفافه ، فلمّا رُفع الإزار عنه فإذا هو من أحلى التين وأطيبه ، فأكل عليه السلام وأطعم الحامل منه ، وردّ بقيّتَه « 3 » إلى هارون ، فلمّا تناوله صار سرقيناً « 4 » في فيه ، وكان في يده تيناً جنيّاً » « 5 » .
هامش
( 1 ) يحيران جواباً : أي يرجعان . وكلّمته فما أحار جواباً : أي ما ردّ ، والَمحار : المرجع ، والَمحارة : مرجع الكتف ، وقوله تعالى :« إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ »أي لن يرجع ، أي لن يبعث . ( الكفعمي ) .
( 2 ) الخرائج : 1 : 322 / 14 .
( 3 ) في ق ، م ، ك : « بعضه » ، وفي المصدر : « بقيّتها » .
( 4 ) والسرقين : معرّب سرگين .
( 5 ) الخرائج : 1 : 323 / 13 .
وفي هامش ن : حاشية : وروي أنّ هذا الخبر كان فعله يزيد بن معاوية مع زين العابدين عليه السلام ، وقيل : إنّ سرقين الّذي أرسله كان يشاكل المشمش في شكله ، فأكل زين العابدين والرسول الّذي أتى به إليه ، فإذا هو مشمش طيّب أحسن ما يكون وردّ نواه إليه ، وفي يومه كان خروجه من حبسه ، وهذا الخبر مشهور بين الناس مورود ، « 12 » .