معاوية من كرمه وجوده وإيثاره ، ولو أنعم النظر علم أنّه لميسلّمها إلى معاوية باختياره ، وأنّه لو وجد أعواناً وأنصاراً لقاتله بأعوانه وأنصاره ، ولكنّه آنس من أصحابه فَشَلًا وتخاذلًا جَرَوا منه في ميدان الخلاف ومضماره ، وشحّوا بأنفسهم عن مساعدته فرغبوا عن قُربه ، وسخت أنفسهم بمفارقة جِواره ، وأحبّوا بُعد داره في الدنيا فبَعُدَت في الأخرى دارهُم من داره ، وفرّ عنه من فرّ فتوجّه عليه العقاب لفراره ، وحليت الدنيا في أعينهم فلميردعهم بالغ مواعظه وإنذاره ، ومالُوا إلى معاوية رغبة في زخرف دنياه وطمعاً في درهمه وديناره ، فسلّم إليه الأمر حذراً على نفسه وشيعته ، فما رُدّ القَدَر بحذاره وطلب حقن الدماء وإسكان الدهماء ، فأقرّه في قراره .
وكيف يجود الحسن ( عليه السلام ) على معاوية بشيء يصطلى الإسلام وأهله بناره ؟ ! أم كيف يرضى تأهيلَه لأمر قلبه مُعتقِد لإنكاره ؟ ! أم كيف يظنّ أنّه قارب بعض المقاربة وهو يسمع سبّ أبيه في ليله ونهاره ؟ ! أم كيف يُنسب معاوية إلى الصدق وهو مستمر على غُلَوائه مقيم على إصراره ؟ ! أم كيف يُتوهّم فيه الإيمان وهو وأبوه من المؤلّفة ( قلوبهم ) « 1 » ؟ ! فانظر في أخباره ، وهذه جمل تستند إلى تفصيل وقضايا « 2 » واضحة الدليل ، وأحوال تفتقر إلى نظر وفكر طويل ، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل .
عاد الكلام إلى تمام ما أورده كمال الدين ( رحمه الله ) قال :
زيادة فائدة « 3 »
لعلّ من وقف على هذا التنبيه والإيقاظ يودّ أن يحيط علماً بما حمل الحسن ( عليه السلام ) على خلع لباس الخلافة عنه وإلباسه معاوية ، فرأيت أن أشير إلى ما يُنيل نفسه مناها ، ويزيل عن فكرته ما عراها ، وأذكر ما أورده الإمام محمّد بن إسماعيل البخاري ( رحمه الله ) عن الحسن البصري ( رضي الله عنه ) وأسنده ، وأقصّه ( على ) « 4 » حسب ما تلاه
هامش
( 1 ) من ك .
( 2 ) في ق : « قضاياه » .
( 3 ) في ق : « زيادة مفيدة » .
( 4 ) من خ في متن ن . .