تنبيه من غفلة وإيقاظ من غَفوة
منار مبرّات الأجواد ، وآثار مقامات الأمجاد يتفاوت مقدارها بين العباد بحسب أخطار أقدارها في الاعتقاد ، وقد جاد الحسن ( عليه السلام ) بما لمتَجُد بمثله نفس جواد ، وتكرّم بما يبخل به كلّ ذي كرم وإرفاد ، فإنّه لارتبة أعظم من الخلافة ولا أعلى من مقامها ، ولا حكم لمَلِك في الملّة الإسلاميّة إلّا وهو مستفاد من أحكامها ، ولا ذو إيالة « 1 » ولا ولاية إلّا وهو منقاد ببُرَة « 2 » زمامها ، واقف في قضايا تصرّفاتها بين نقضها وإبرامها ، فهي المَنصِب الأعلى والمنتَصِب لها صاحب الدنيا ، فالأمر والنهي متّصل بأسبابه والجاه والمال محصَّل من أبوابه ، والنُّباهة والشهرة تُستفاد من اقترابه ، والتقدّم والتأخر يُرتاد من إرْضائه وإغضابه ، وهو خليفة رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) في أمّته لإقامة أحكامه وآدابه .
وكان الحسن ( عليه السلام ) قد تَقَلَّد بعِقْد انعقادها ، واستبدّ بعَقْد أنجادها « 3 » ، وارتدى بمُفَوَّف أبرادها ، وبايعَته « 4 » ألوف لاتفرّ يوم جلادها ، وتابعته سيوف لاتقرّ في أغمادها ، وشايعته من قبائل القبائل « 5 » نُفوس آسادها ، واشتملت جريدة جيشة على أربعين ألفاً كلٌّ يَعُدُّ قَتْلَه بين يدي الحسن ( عليه السلام ) شهادةً ، ويعتقد قيامَه بطاعته عبادةً ، ويرى كونه من أنصاره وشيعته إقبالًا وسعادة
هامش
( 1 ) إيالة : سياسة . ( الكفعمي ) .
( 2 ) البُرة : حلقة من صُفر تُجعل في أحد جانبي منخري البعير ، قاله الجوهري ، وقال الثعالبي : إن كانت من الخشب فهي خشاش ، ومن الصُفر : بُرَة ، ومن الشعر : خِزامَة ، ومن بقية الحبل : عِران ، ذكر في كتابه سرّ اللغة . ( الكفعمي ) .
( 3 ) في ن ، خ : « أبجادها » ، وفي المصدر : « إيجادها » .
( 4 ) خ : بايعه .
( 5 ) البُرد المُفَوّف : هو الرقيق الّذي فيه خطوط بيض . والقبيلة من النّاس : طائفة منهم ما بين الثلاثين إلى الأربعين ، والجمع قبائل ، قاله الجوهري . ( الكفعمي ) . .