هذا الموسم زوّار اللّه يعظمون حرمة بيته ، فهم أضياف اللّه ، وأحقّ الضيف بالكرامة ضيفه ، وقد خيّركم اللّه بذلك ، وأكرمكم به ، ثمّ حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ، فأكرموا ضيفه وزوّاره ، فإنّهم يأتون شُعْثا غُبرا من كلّ بلد على ضوامر كالقداح ، وقد أعيوا وتفلوا وقملوا وارملوا ، فأقروهم وأغنوهم . فكانت قريش ترافد على ذلك .
وكان هاشم يخرج مالًا كثيرا ، ويأمر بحياض من أدم ، فتجعل في موضع زمزم ، ثمّ يسقي فيها من الابار الّتي بمكة ، فيشرب منها الحاجّ ، وكان يطعمهم بمكّة ومنى وعرفة وجمع ، وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق ، ويحمل لهم المياه فيسقون بمنى ، إلى أن يصدروا من منى فتنقطع الضيافة « 1 » ويتفرّق الناس إلى بلادهم .
ب - في السيرة الحلبية والنبوية :
كان هاشم إذا هلّ هلال ذي الحجّة قام صبيحته وأسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها ويخطب ويقول في خطبته : يا معشر قريش إنّكم سادة العرب ، أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما - أي عقولًا - وأوسط العرب - أي أشرفها أنسابا - وأقرب العرب بالعرب أرحاما ، يا معشر قريش إنكم جيران بيت اللّه تعالى أكرمكم اللّه تعالى بولايته وخصّكم بجواره دون بني إسماعيل ، وإنّه يأتيكم زوّار اللّه يعظمون بيته ، فهم أضيافه وأحقّ من أكرم أضياف اللّه أنتم ، فأكرموا ضيفه وزوّاره ، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح ، فأكرموا ضيفه وزوّار بيته ، فوربِّ هذه البنية لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه ، وأنا مُخرج من طيب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم ، ولم يؤخذ بظلم ، ولم يدخل فيه
هامش
( 1 ) . طبقات ابن سعد ( 1 / 46 ) ، وتاريخ اليعقوبي ( 1 / 242 ) ط . بيروت 1379 ه وجمعت لفظيهما .