جرهم على حكم مكّة وطغوا وبغوا ، فحاربتهم خزاعة وتغلّبت عليهم ، « 1 » فحكموا مكة وولوا أمر البيت الحرام ، وتدرّج ولد إسماعيل في التفرّق في البلاد عدا بقيّة منهم لم يبرحوا الحرم ، « 2 » وبقيت خزاعة تحكم مكّة وتلي شؤون البيت الحرام كابرا بعد كابر ، حتى ولي منهم عمرو بن لحيّ وكان ذا ثروة عظيمة من الإبل يكثر الاطعام ، فأصبح قوله وفعله كالشرع المتّبع عندهم . « 3 »
وفي سفر لعمرو بن لحيّ إلى مدن الشام رآهم يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا له : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم : ألا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه ؟ فأعطوه صنم هبل ، فقدم به مكّة وأمر الناس بعبادته وتعظيمه ، ثم أشرك الأصنام في تلبية الحجّ وقال في تلبيته :
( لبّيك اللّهمّ لبّيك لا شريك لك ، إلّا شريك هو لك تملكه وما ملك
) . يقصد بشريك اللّه الأصنام - معاذ اللّه - وغيّر عمرو بن لحيّ حنيفية إبراهيم ( ع ) وشرّع - أيضا - غير ذلك ؛ فهو الذي بحّر البحيرة ، والبحيرة : الناقة التي يمنح درّها - حليبها - للطواغيت والأصنام ، وسيّب السوائب ؛ والسائبة التي كانوا يُسيّبونها لأصنامهم فلا يحمل عليها شيء . « 4 »
هكذا انتقلت عبادة الأصنام إلى بلد التوحيد ، ثمّ تنامى عددها وعلّقوها على جدران الكعبة ، ومن مكة انتقلت عبادتها إلى سائر مدن الجزيرة العربية وشتّى قبائلها ، واختفت معالم التوحيد من بينهم وحرّفت شريعة إبراهيم الحنيفة ،
هامش
( 1 ) . راجع : تاريخ ابن كثير ط . الأولى ( 2 / 184 - 185 ) .
( 2 ) . تاريخ اليعقوبي ( 1 / 222 - 238 ) .
( 3 ) . تاريخ ابن كثير ( 2 / 187 ) .
( 4 ) . تاريخ ابن كثير ( 2 / 187 - 189 ) ، وموجزه في أنساب الأشراف للبلاذري ( 1 / 34 ) .