قال تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 40 إلى 46 ]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 )
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 )
في هذا المقطع من الآيات يواجه السياق بني إسرائيل ، أولئك الّذين واجهوا الدعوة في المدينة مواجهة نكرة ؛ وقاوموها مقاومة عنيفة : خفيّة وظاهرة ؛ وكادوا لها كيدا متواصلا ، لم يفتر لحظة منذ أن ظهر الإسلام بالمدينة وتبيّن لهم أنّه في طريقه إلى الهيمنة على مقاليدها ، وعزلهم من القيادة الأدبيّة والاقتصاديّة الّتي كانت لهم لحدّ ذاك الحين . . وذلك مذ وحدّ الأوس والخزرج وسدّ الثغرات الّتي كانت تنفذ منها اليهود . وشرع لهم منهجا قويما وغنيّا عن الاستجداء من الأجانب ذوي الأطماع . منهجا مستقلا يقوم على أساس كتاب جديد وشريعة جديدة على يد نبيّ من ولد إسماعيل وليس من ولد إسحاق !
الأمر الّذي أثار ضغائنهم وزاد حقدهم على هذه الأمّة منذ بزوغها ، فكانت معركة دامية شنّها اليهود على الإسلام والمسلمين منذ ذلك التاريخ البعيد ، ثمّ لم يخب أوارها حتّى اللحظة الحاضرة ، بنفس الوسائل ونفس الأساليب ، لا يتغيّر إلّا شكلها ، أمّا حقيقتها فباقية ، وأمّا طبيعتها فواحدة .
هذا على الرغم من أنّ العالم كلّه منذ زمن سحيق كان يطاردهم من جهة إلى جهة ومن قرن إلى قرن - ولا يزال - فلا يجدون لهم صدرا حنونا إلّا في العالم الإسلامي المفتوح ، الّذي يكافح الاضطهادات سواء الدينيّة أو العنصريّة ، ويفتح أبوابه لكلّ مسالم لا يؤذي الإسلام ولا يكيد للمسلمين .
قال سيّد قطب : ولقد كان المنتظر أن يكون اليهود في المدينة هم أوّل من يؤمن بالرسالة