تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
قال السيّد المرتضى : وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه تعالى أراد : أنّ في السّماء جبالا من برد . وفيهم من قال : ما قدره قدر جبال . يعني مقدار جبال من كثرته . قال : وأبو مسلم بن بحر الأصبهانيّ خاصّة انفرد في هذا الموضع بتأويل طريف ، وهو أن قال : الجبال ، ما جبل اللّه من برد ، وكلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال ، ألم تر إلى قوله تعالى في خلق الأمم :
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ
« 1 » . والناس يقولون : فلان مجبول على كذا . وأورد عليه السيّد بأنّه يلزمه أن جعل الجبال اسما للبرد نفسه ، من حيث كان مجبولا مستحجرا ! وهذا غلط ، لأنّ الجبال وإن كانت في الأصل مشتقّة من الجبل والجمع ، فقد صارت اسما لذي هيئة مخصوصة . ولهذا لا يسمّي أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض - مع استحجار أو غير استحجار - بأنّه جبل ، ولا يخصّون بهذا اللفظ إلّا أجساما مخصوصة . . . كما أنّ اسم الدابّة وإن كان مشتقّا في الأصل من الدبيب فقد صار اسما لبعض ما دبّ ، ولا يعمّ كلّ ما وقع منه الدبيب . قال : والأولى أن يريد بلفظة السماء - هنا - ما علا من الغيم وارتفع فصار سماء لنا ، لأنّ سماء البيت وسماواته ما ارتفع منه . وأراد بالجبال التشبيه ، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال والجمال ، وهذا شائع في كلامها ، كأنّه تعالى قال : وينزّل من السحاب الّذي يشبه الجبال في تراكمه بردا . قال : وعلى هذا التفسير تكون « من » الأولى والثانية لابتداء الغاية ، والثالثة زائدة لا حكم لها ، ويكون تقدير الكلام : وينزّل من جبال في السماء بردا . فزادت « من » كما تزاد في قولهم : ما في الدار من أحد . وكم أعطيته من درهم ، وما لك عندي من حقّ ، وما أشبه ذلك . وأضاف : إنّه قد ظهر مفعول صحيح ل « ننزّل » ، ولا مفعول لهذا الفعل على سائر التأويلات « 2 » . قلت : وهو تأويل وجيه لولا جانب زيادة « من » في الإيجاب . قال ابن هشام : شرط زيادتها تقدّم نفي أو نهي أو استفهام ولم يشترطه الكوفيّون واستدلّوا بقول العرب : قد كان من مطر . وبقول عمر بن أبي ربيعة :
هامش
( 1 ) الشعراء 26 : 184 . ( 2 ) الأمالي للسيّد المرتضى علم الهدى 2 : 304 - 306 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 329 | الشيخ محمد هادي معرفة