والتقسيم ، لأنّ الأمر يدور بين ثلاثة : إمّا أن يكونوا قد خُلِقوا من عند أنفسهم ليس لهم خالق ، أو يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم ، أو ينتهي خلقهُم إلى خالق خارج من أنفسهم ، ولا رابع لذلك .
أمّا الأول - ليكونوا قد خُلِقوا لا من شيء ، ولا خالق لهم ، وأنّهم وجدوا لا من علّة وسبب - فهذا ممّا يستحيله العقل ، إذ لا معلول بلا علّة ولا موجود بلا موجد .
فلا تترجح كفّة الوجود على كفّة العدم ، في دائرة الممكنات ، لسوى مرجّح خارجي .
وكذا الثاني ، لأنّه دور مستحيل ، وتوقّف وجود الشيء على نفسه ممّا يمتنع في بديهة العقل .
إذاً فالصحيح المعقول هو الفرض الثالث ، أنّهم مخلوقون ، وأنّ لهم خالقاً ، هو واجب الوجود لذاته ، ويكون منتهى سلسلة الموجودات في دائرة الإمكان .
وقوله تعالى :
« كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ »
« 1 » . وقوله :
« كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ »
« 2 » .
وقوله :
« أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ »
« 3 » .
وهذا من قياس النظير على النظير ، فقد قيس أمر الإعادة على أمر البدء ، قياساً معقولًا ، لأنّ الذي فعل شيئاً قادر على أن يفعل مثله ، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . . . .
بل المسألة هنا هي الإعادة ، وهي أهون من الإبداع . كما سبق في قوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . . »
« 4 » .
وأجمل حجاج جاء إفحاماً للخصم ودحضاً لحجّته قوله تعالى :
« وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ . إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ
.
هامش
( 1 ) . الأعراف : 29 .
( 2 ) . الأنبياء : 104 .
( 3 ) . ق : 15 .
( 4 ) . الروم : 27 .