أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
« 1 » .
انظر إلى هذه المحاججة اللطيفة والردّ الجميل ، كيف أنّهم أقسموا باللَّه لإنكار البعث ، فردّ عليهم بقوله « بلى » ! وأنّ الّذي تقسمون به فإنّه يناقضكم صريحاً !
ثم قرّر البعث ببيان سببه الموجب ، وأخيراً إمكانه بعظيم قدرته .
ولابن السيّد هنا - في هذه الآية - بيان لطيف أورده السيوطي في الإتقان ، قال :
وتقريرها ، أنّ اختلاف الناس في الحقّ لا يوجب انقلاب الحق في نفسه ، وإنّما تختلف الطرق الموصلة إليه ، والحقّ في نفسه واحد . فلمّا ثبت أنّ هاهنا حقيقة موجودة لا محالة ، وكان لا سبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفاً يوجب الائتلاف ويرفع عنّا الاختلاف ، إذ كان الاختلاف مركوزاً في فطرنا ، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلّابارتفاع هذه الجبلّة ، ونقلها إلى صورة غيرها ، صحّ - ضرورة - أنّ لنا حياة أخرى غير هذه الحياة ، فيها يرتفع الخلاف والعناد . وهذه هي الحالة التي وعد اللَّه بالمصير إليها ، فقال :
« وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ »
« 2 » أي حقد . فقد صار الخلاف الموجود - كما ترى - أوضح دليل على كون ( أي ثبوت ) البعث الذي ينكره المنكرون « 3 » .
الاستدلالُ في القُرآن مزيج أسلوبين : الخطابة والبرهان
إمتاع العقل والنفس معاً
امتاز القرآن في استدلالاته بالجمع بين أسلوبين يختلفان في شرائطهما ، هما : أسلوب الخطابة وأسلوب البرهان ذاك إقناع للعامّة بما يتسالمون به من مقبولات مظنونات ، وهذا إفهام للخاصّة بما يتصادقون عليه من أوّليات يقينيات .
هامش
( 1 ) . النحل : 38 - 40 .
( 2 ) . الأعراف : 43 .
( 3 ) . الإتقان : ج 4 ص 54 .