يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ »
« 1 » وسيأتي شرح الآيتين .
4 - أو تشبيه صورة بمعنى ، وكان ألطف الأنواع ، لأنّه نقل صورة مشهودة إلى الخيال آخذاً طريقه إلى الأوهام ، فإن اجيد في ذلك كان بديعاً ، وينبئك عن دقّة ومهارة ، وهو فنّ من فنون التخييل .
ومثّل له ابن الأثير بقول أبي تمّام :
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا * فتك الصبابة بالمحبّ المُغرَم
حيث شبّه فتكه بالمال وبالعدا - وذلك صورة مرئية - بفتك الصبابة وهو فتك معنوي « 2 » وفتك المال كناية عن بذله وتفريقه بين المحاويج . والصبابة : الشوق ورقّة الهوى .
ومثاله من القرآن قوله تعالى :
« إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ »
« 3 » فقد شبّه فوَران الماء وخروجه عن حدّ الاعتدال ، بحالة التكبّر والاستعلاء الذي يجعل الإنسان عاتياً وخارجاً على القوانين والحدود والأعراف . فالطغيان - وهو التكبّر والاستعلاء من غير حق - أمرٌ معنوي ، وقد شبّه به فوَران الماء وهو أمرٌ محسوس .
وهكذا قوله تعالى :
« وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ »
« 4 » .
والعتوّ - وهو التكبّر - من الأمور المعقولة ، استعير هنا للريح ، وهي محسوسة . والجامع بينهما - في كلتا الآيتين - هو الإضرار الخارج عن حدّ العادة « 5 » .
تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة ؟
ميزة قرآنية أخرى جاءت في تعابيره المفيضة بالحياة . وتلك طريقته الفنّية في تصويره لمباهج هذا الكون ، لا تمسّ ريشة تعبيره جامداً إلّانبض بالحياة ، ولا يصيب قلم تحبيره
هامش
( 1 ) . النور : 39 و 40 .
( 2 ) . المثل السائر : ج 2 ص 130 .
( 3 ) . الحاقة : 11 .
( 4 ) . الحاقة : 6 .
( 5 ) . الطراز للأمير العلوي : ج 3 ص 339 .