« إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ . تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ »
« 1 » .
وأعجب من ذلك أنّه يصوّر من حالة الغضب - وهي صفة نفسانية - إنساناً صاحب شعور وإدراك رقيق ، قد يثور ويفور غيظه ثمّ يهدأ ويسكن غضبه . وقد جاء في التعبير القرآني عن هذا الثوران بإلقاء الوساوس والإغراء بالأخطار ، وعن ذاك الهدوء بالسكوت والإمساك عن الكلام .
قال الزمخشري - عند تفسير قوله تعالى :
« وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ »
« 2 » - : كأنّ الغضب كان يغريه على فعل ما فعل ، ويقول له : قل لقومك كذا ، وألق بالألواح ، وجرّ برأس أخيك إليك . هكذا كان يهمس في اذنه ويلقي في روعه ، فكأنّ موسى يفعل ما يفعل بإغرائه وتحريضه . حتّى إذا ما سكت الغضب عن الكلام وأمسك بلسانه ترك موسى وشأنه وقطع الإغراء .
قال : ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كلّ ذي طبع سليم وذوق صحيح إلّا لذلك ، ولأنّه من قبيل شعب البلاغة ، وإلّا فما لقراءة معاوية بن قرة : « وَلمّا سكَنَ عَن مُوسَى الغَضَبُ » لا تجد النفس عندها شيئاً من تلك الهزّة وطرفاً من تلك الروعة « 3 » .
التصوير الفنّي في القرآن
التصوير - وهو تجسيد المعاني - هي الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن . فهو يعبّر بالصورة المتمثلة عن معنىً ذهني أو حالة نفسية ، أو عن حوادث غابرة أو مشاهد آتية ، أو عن نموذج إنساني وغرائزه وتصرّفاته في هذه الحياة . فكأنّما هي صورة شاخصة ، وهيئة مشهودة . ثمّ يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة ويفيض عليها الحركة . فإذا ما أضاف إليها الحُوار فقد استوت لها كلّ عناصر التجسيد . فما يكاد يبدأ العرض حتّى يحيل
هامش
( 1 ) . الملك : 7 و 8 .
( 2 ) . الأعراف : 154 .
( 3 ) . الكشاف : ج 2 ص 163 .