بعض الكتّاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبّهاً له ، فقال : « هامة ، عليها من الغمامة عمامة ، وأنملة خضبها الأصيل ، فكان الهلال منها قلامة » .
قال ابن الأثير ، وهذا الكاتب حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء ! ! فإنّه أخطأ في قوله « أنملة » وأيّ مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل ؟ وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة ، وتشبيهها بالهلال .
فإن قيل : إنّ هذا الكاتب تأسّى فيما ذكر بكلام اللَّه تعالى حيث قال :
« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ »
« 1 » ، فمثّل نوره بطاقة فيها ذبالة « 2 » .
وقال اللَّه تعالى :
« وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ »
« 3 » فمثّل الهلال بأصل عذق النخلة .
فالجواب عن ذلك أني أقول : أمّا تمثيل نور اللَّه تعالى بمشكاة فيها مصباح ، فإنّ هذا مثال ضربه للنبي صلى الله عليه وآله . ويدلّ عليه أنّه قال :
« يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ »
. وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيهاً لطيفاً عجيباً ، وذاك أنّ قلب النّبيّ صلى الله عليه وآله وما القي فيه من النور ، وما هو عليه من الصفة الشفّافة ، كالزجاجة التي كأنّها كوكب بصفائها وإضاءتها .
وأمّا الشجرة المباركة التي لا شرقيةٍ ولا غربية ، فإنها عبارة عن ذات النّبيّ صلى الله عليه وآله لأنّه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق ولا إلى الغرب .
وأمّا زيت هذه الزجاجة ، فإنّه مضيء من غير أن تمسّه نار ، والمراد بذلك أنّ فطرته فطرة صافية من الأكدار ، منيرة من قبل مصافحة الأنوار .
فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية .
وأمّا الآية الأخرى فإنّه شبّه الهلال فيها بالعرجون القديم ، وذلك في هيئة نحوله
هامش
( 1 ) . النور : 35 .
( 2 ) . الطاقة : سقيفة لها طوق هلالي . والذبالة : الفتيلة .
( 3 ) . يس : 39 .