ولا زوديّة تزهو بزرقتها * بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها * أوائل النار في أطراف كبريت
* * * اعترف أهل البيان بأنّ تشبيهات القرآن أمتن التشبيهات الواقعة في فصيح الكلام ، وأجمعهنّ لمحاسن البديع ، وأوفاهنّ بدقائق التصوير .
مثّل ابن الأثير لتشبيه المفرد بالمفرد بقوله تعالى :
« وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً »
« 1 » فإنّه شبّه الليل باللباس ، وذاك أنّه يستر الناس بعضهم عن بعض ، من أراد هرباً من عدوّ ، أو ثباتاً لعدوّ ، أو إخفاء ما لا يحبّ الاطّلاع عليه من أمره .
قال : وهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلّاالقرآن الكريم ، فإنّ تشبيه الليل باللباس ممّا احتفى به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم .
وكذلك قوله تعالى :
« هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ »
« 2 » فشبّه المرأة باللباس للرجل ، وشبّه الرجل باللباس للمرأة « 3 » .
وهذا من لطيف التشبيه ، كما أنّ اللباس زينة للمرء وساتر لعورته وحافظ له عن التعرّض للأخطار ، كذلك زوج المرء يزيّنه ويستر عوراته ويقيه من مزالق الأدناس . فما أجمل هذا التشبيه وأدقّه من تعبير ؟ !
قال : ومن محاسن التشبيه قوله تعالى :
« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ »
« 4 » . وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة . والحرث هو الأَرض التي تحرث للزرع ، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعاً كما يزدرع البذر في الأرض . « 5 » وقيل من شرط بلاغة التشبيه أن يشبّه الشيء بما هو أفخم وأروع منه ، ومن هنا غلط
هامش
( 1 ) . النبأ : 10 .
( 2 ) . البقرة : 187 .
( 3 ) . المثل السائر : ج 2 ص 133 .
( 4 ) . البقرة : 223 .
( 5 ) . المثل السائر : ج 2 ص 133 - 135 .