وتعسُر الإجادة فيه ، وقلّما أكثر منه أحد إلّاعثر ، وخاض في عبابه إلّاغرق . فكم من أدباء وبلغاء أكثروا منه إلّازلّوا ، وخاضوا لججه إلّاعاثوا وماثوا ، كما فعل ابن المعتزّ من أدباء العراق ، وابن وكيع من أدباء مصر ، إنّهما أكثرا من ذلك ، فلا جَرَم أنّهما أتيا بالغثّ البارد الذي لا يثبت على محكّ الصواب « 1 » .
والتشبيه الذي نبحث عنه لا يخصّ ما كان تشبيهاً بالتصريح ، وإنّما يعمّ التشبيه المضمر في أنواع الاستعارة والتمثيل وغيرهما ممّا هو محطّ بلاغة الكلام .
والغرض من التشبيه لا يحصر في عدّ ، حسبما يأتي في كلام الجرجاني ، وإنّما فائدته العامّة هي : أنّك إذا شبّهت شيئاً بآخر فإنّما تقصد إلى تخييل صورة في النفس تشبه صورة المشبّه به المعروفة عند السامع ، فيرغب فيه أو ينفر عنه ، حسبما أوتي المشبّه به من حظّ الحسن أو القبح في النفوس . وهذا يوجب رفعة شأن المشبّه أو ضعته ، تحسينه أو تقبيحه ، على درجة قوّة أداة التصوير في مقام التشبيه . الأمر الذي يرتبط وقدرة المتكلّم في حسن الأداء والإجادة في البيان .
قال السكاكي : والغرض من التشبيه يعود في الأغلب إلى المشبّه ، إمّا لبيان إمكانه ، كقول أبي الطيّب :
فإن تفُق الأنام وأنت منهم * فإنّ المسك بعض دم الغزال
فإنّه لمّا أراد تفضيل الممدوح على سائر الناس ، مع أنّه من جنسهم ، فقد أوهم أنّه من نوع أشرف ، فكان كالممتنع ، ومن ثمّ حاول بيان إمكانه بالتشبيه المذكور .
وقد يكون لبيان حاله بوصفٍ خاص ، كما وصف تعالى الهلال بعد خروجه من المحاق ، بتشبيهه بالعُرجون
« وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ »
« 2 » .
أو لبيان المقدار في شدّته وخفّته ، كما جاء في وصف قلوب أهل الغيّ والعناد
« فَهِيَ
هامش
( 1 ) . المثل السائر : ج 2 ص 123 .
( 2 ) . يس : 39 .