وتوضيحاً لهذه الجوانب الثلاثة الخطيرة نستعرض ما يلي :
1 - مناقضته مع القرآن
إنّا لنربأ بمسلم نابه - فضلًا عن ناقد خبير كابن حجر - أن يتسلَّم صدق هذا الحديث المفتعل ، نظراً لما زعمه من صحَّة أسناده المراسيل ، ثمَّ لا يتدبَّر في متنه الفاسد ، الظاهر التنافي مع كثير من نصوص الكتاب العزيز ، وإليك طرفاً من ذلك :
أ - تبدأ السورة بقوله تعالى :
« وَالنَّجْمِ إِذا هَوى . ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى »
« 1 » . وهي شهادة صريحة من اللَّه بأنّ محمَّداً صلى الله عليه وآله لا يضلّ ولا يغوى ولا ينطق إلّاعن وحي من اللَّه ، يعلِّمه الروح الأمين .
فلو صحَّ ما ذكروه في رأس الآية العشرين لكان تكذيباً فاضحاً لهذه الشهادة ، وتغليباً لجانب الشيطان على جانب الرحمان ، وهو القائل تعالى :
« إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً »
« 2 » ، والقائل :
« كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ »
« 3 »
.
فكيف - يا ترى - يتغلّب إبليس على ضمان يضمنه اللَّه تعالى فيبطله صريحاً قبل أن يفرغ من كلامه عزَّ شأنه ؟ ! وهل يتغلّب ضعيف في كيده على قويّ في إرادته ؟ ! وهل هذا إلّاتهافت باهت وكلام فارغ لا يستطيع عاقل تصديقه ! ؟
ب - وأيضاً فإنَّه تعالى يقول :
« وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ »
« 4 » كناية عن أنَّ أحداً لا يستطيع التقوّل على اللَّه تلبيساً للحقيقة إلّا ويهلكه اللَّه من فوره ، الأمر الَّذي تقتضيه حكمته تعالى جرياً مع قاعدة اللطف ، وقد سبقت الإشارة إليها .
أفهلترى - بعد هذا التأكيد - يستطيع إبليس ، وهو صاحب الكيد الضعيف ، أن يتقوَّل على اللَّه ، ويلبِّس الأمر على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بما يحسبه وحياً آتياً به جبرائيل الأمين ؟ ! إذاً
هامش
( 1 ) النجم : 1 - 5 .
( 2 ) النساء : 76 .
( 3 ) المجادلة : 21 .
( 4 ) الحاقة : 44 - 46 .