أو يقول النبي ذلك من قبل نفسه عمداً وذلك كفر ، أو سهواً ، وهو معصوم من هذا كلِّه .
وقد قرَّرنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وآله من جريان الكفر على قلبه أو لسانه ، لا عمداً ولا سهواً .
أو أن يتشبَّه عليه ما يلقيه الملك ممّا يلقي الشيطان ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو يتقوَّل على اللَّه ما لم ينزل عليه ، وقد قال تعالى :
« وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . . . »
« 1 » ، وقال تعالى :
« إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ . . . »
« 2 » « 3 »
.
وأيضاً فلولا العصمة الملحوظة في أداء رسالة اللَّه لزالت الثقة بالدين ، ولأخذت الشكوك مواضعها من أحكام وتكاليف وشرائع يبلِّغها النبي صلى الله عليه وآله عن اللَّه تعالى .
وامتداداً لجانب عصمته صلى الله عليه وآله وأن لا سبيل لإبليس إلى شأن من شؤونه المعتصمة بعصمة اللَّه تعالى قال : من رآني فقد رآني فإنَّ الشَّيطان لا يتمثَّل بي « 4 » .
وقد فهم العلماء من هذا الحديث قاعدة كليَّة : لا يستطيع إبليس التمثّل بأيِّ وليّ من أولياء اللَّه العباد المخلصين ، وبالأحرى عدم استطاعته التمثّل بجبرائيل ، ملك الوحي المقرَّب الأمين .
إذاً فأنّى لإبليس التلاعب بوحي السماء ، أو أن ينتحل صورة رسول من رسل اللَّه الأكرمين ؟ كلّا !
« لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ »
« 5 »
.
3 - تهافته مع آي السورة
قال القاضي عياض أيضاً : ووجه ثانٍ وهو استحالة هذه القصَّة نظراً وعرفاً ، وذلك أنَّ هذا الكلام لو كان - كما روي - لكان بعيد الالتئام ، متناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذّم ، متخاذل التأليف والنظم ، ولما كان النبي صلى الله عليه وآله ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد
هامش
( 1 ) الحاقّة : 44 .
( 2 ) الإسراء : 75 .
( 3 ) الشفا للقاضي عياض : ج 2 ص 118 - 119 .
( 4 ) صحيح مسلم : ج 7 ص 57 .
( 5 ) الصافّات : 8 .