المشركين ممَّن يخفى عليه ذلك . وهذا لا يخفى على أدنى متأمّل ، فكيف بمن رجح حلمه واتَّسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه « 1 » .
أفهل يتصوَّر بشأن النبيّ محمَّد صلى الله عليه وآله - وهو العارف بمواقع الكلام ، الناقد لأفصح أقوال العرب الفصحاء - أن يلتبس عليه شأن كلام ساقط ، لا يتناسب وسائر جمل وآيات كانت تنزل عليه حينذاك ؟ ! أم كيف ينسجم ما ذكروه مع قوله تعالى :
« إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ »
« 2 » ! أم كيف يقتنع المشركون - وهم أهل نقد وفصاحة - بتلك المجاملة المفضوحة ، يقترن مدح مشكوك ، بذلك القدح الصارم ، ليأخذوه تقارباً مبدئياً بين إشراكهم والدعوة الَّتي قام بها محمَّد صلى الله عليه وآله والَّتي قامت على محق الشرك وإخلاص الدين الحنيف . ولا سيَّما مع تعقيبها بقوله أيضاً :
« وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً »
« 3 » أفهل يلتئم هذا الكلام التوحيديّ الخالص مع تلك الأكذوبة : « وإنَّ شفاعتهنَّ لترتجى » ! ؟
* * * وأخيراً ، فلو صحَّت الحكاية لشاعت وذاعت ، ولأخذها المشركون مستمسكاً في وجه المسلمين طول الدعوة ، ولم يصدِّقوا النبي صلى الله عليه وآله في دعواه النسخ مهما كلّف الأمر . هذا في حين أنَّ التاريخ لم يضبط من تلك الاقصوصة المفتعلة سوى حكايتها عن أناس تأخَّروا عن ظرفها بزمانٍ بعيدٍ ولم يسجِّل التاريخ من يقول : حضَرتُها ! الأمر الَّذي يجعلنا قاطعين بكذبها . ولعلَّها من الإسرائيليّات المفضوحة الَّتي نسجتها أيدي النُكاة بالإسلام ، في عهد سطوّ المظالم على أرجاء البلاد الإسلامية ، في ظلّ حكومة بني اميَّة أعداء الدين والقرآن .
وهذا هو الأرجح في نظرنا . وفي فصول هذا الكتاب الآتية يتّضح موقف هذه الفئة الباغية على الإسلام أكثر .
* * *
هامش
( 1 ) الشفا : ج 2 ص 119 .
( 2 ) النجم : 23 .
( 3 ) النجم : 26 .