تعالى :
« لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ . . . »
« 1 » .
فقد رأى النبي صلى الله عليه وآله ذلك عام الحديبيَّة « 2 » وصدقت عام الفتح « 3 » . وكما في قوله :
« وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ »
« 4 »
.
فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب ، قال :
رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بني اميَّة على المنابر ، فساءه ذلك ، فأوحى اللَّه إليه : إنَّما هي دنيا أعطوها وهي قوله تعالى :
« وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا . . . »
يعني بلاءً للناس « 5 » .
هذا ، وقد ذكر بعضهم أنَّ سورة الكوثر نزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في المنام ، لرواية أنس بن مالك ، قال : بينا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بين أظهرنا إذ اغفي إغفاءة ، ثمَّ رفع رأسه متبسّماً ، فقلنا : ما أضحكك يا رسول اللَّه ! ؟ فقال : أنزلت عليَّ آنفاً سورة ، فقرأ :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . . . »
إلخ « 6 » .
قال الرافعي : إنَّهم فهموا من ذلك أنَّ السورة نزلت في تلك الإغفاءة ، لكنَّ الأشبه أنَّه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة عليه قبل ذلك ، فقرأها عليهم وفسَّرها لهم . قال : وقد يحمل ذلك على الحالة الَّتي كانت تعتريه عند نزول الوحي ، ويقال لها : برحاء الوحي وهي سبتة شبه النعاس كانت تعرضه من ثقل الوحي .
قال جلال الدين : الّذي قاله الرافعي في غاية الاتّجاه ، والتأويل الأخير أصحّ من الأوَّل ، لأنَّ قوله « آنفاً » يدفع كونها نزلت قبل ذلك ، بل نزلت في تلك الحالة ، ولم يكن الإغفاء إغفاء نوم ، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي « 7 » وآنف بمعنى قُبيل هذا الوقت .
أقول : لا شكَّ أنَّ سورة الكوثر مكّية ، وهذا هو المشهور بين المفسِّرين شهرةً تكاد تبلغ
هامش
( 1 ) الفتح : 27 .
( 2 ) وهي سنة الست من الهجرة .
( 3 ) وهي سنة الثمان .
( 4 ) الإسراء : 60 .
( 5 ) الدرّ المنثور للسيوطي : ج 4 ص 191 ، تفسير الطبري ج 15 ص 77 .
( 6 ) الدرّ المنثور : ج 6 ص 401 .
( 7 ) الإتقان : ج 1 ص 23 .