التواتر . قالوا : نزلت بمكَّة عندما عابه المشركون بأنَّه أبتر لا عقب له ، أو أنَّه مبتور من قومه منبوذ .
وهكذا لمّا مات ابنه عبداللَّه مشت قريش بعضهم إلى بعض متباشرين ، فقالوا : إنَّ هذا الصابي قد بتر الليلة .
قال ابن عبّاس : دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من باب الصفا وخرج من باب المروة ، فاستقبله العاص بن وائل السهمي ، فرجع العاص إلى قريش ، فقالت له قريش : من استقبلك يا أبا عمرو آنفاً ؟ قال : ذلك الأبتر - يريد به النبي صلى الله عليه وآله - فأنزل اللَّه جلَّ جلاله سورة الكوثر ، تسليةً لنفس نبيّه الزكية « 1 » .
هذا وأنس عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله لم يبلغ العشرين ، إذ كان عند مقدمه صلى الله عليه وآله المدينة طفلًا لم يتجاوز التسع ، وقيل : ثماني سنوات « 2 » ، فكيف نثق بحديث منه يخالف إطباق الامَّة على خلافه ، وأنَّها نزلت بمكَّة في قصَّة جازت حد التَّواتر ؟ ! الأمر الَّذي يرجِّح الوجه الأوَّل من اختيار الإمام الرافعي ، أو نجعل من رواية أنس حبلها على غاربها !
نعم ، أخرج مسلم والبيهقي هذه الرواية من وجه آخر ، ليس فيه « أنزلت عليَّ » . قال :
اغفي النَّبي صلى الله عليه وآله إغفاءة ، ثمَّ رفع رأسه فقرأ :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . . . »
إلخ ، ثمَّ فسَّرها بنهر في الجنَّة . قال البيهقي : وهذا اللفظ أولى ، حيث لا يتنافى وما عليه أهل التفاسير والمغازي من نزول سورة الكوثر بمكَّة . . « 3 » .
2 - نزول جبرائيل عليه السلام
كان الملَك الّذي ينزل على النّبي صلى الله عليه وآله بالوحي هو جبرائيل عليه السلام فكان يلقيه على مسامعه الشريفة ، فتارةً يراه إمّا في صورته الأصليَّة - وهذا حصل مرَّتين - أو في صورة دحية بن خليفة ، وأخرى لا يراه ، وإنَّما ينزل بالوحي على قلبه صلى الله عليه وآله
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى
هامش
( 1 ) راجع أسباب النزول للسيوطي بهامش الجلالين ج 2 ص 142 ، والدرّ المنثور : ج 6 ص 401 .
( 2 ) أسد الغابة لابن الأثير : ج 1 ص 127 .
( 3 ) الدرّ المنثور : ج 6 ص 401 .