كلِّ مصر ملتزمين بالقراءة وفق مصحفهم ، وعلى إقراء مقريهم الخاصّ . وهكذا قرأ ابن عامر - وهو مقرئ الشام - : « جاؤ بالبيّنات وبالزبر » « 1 » - بالباء - لأنَّ مصحف الشام كان كذلك .
وقرأ الباقون بغير باء « 2 » .
وقرأ نافع وابن عامر :
« سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ »
« 3 » . - بلا واو - لأنَّ مصحف المدينة ومصحف الشّام كانا خلواً عنها . ونافع مدني ، وابن عامر شامي . وقرأ الباقون بالواو ، لأنَّ مصاحفهم كانت مشتملة عليها « 4 » .
وهناك أيضاً عوامل أخرى ساعدت على هذا الاختلاف ، نذكر منها ما يلي :
1 - بداءة الخطّ
كان الخط عند العرب آنذاك في مرحلة بدائية ، ومن ثمَّ لم تستحكم أصوله ولم تتعرَّف العرب إلى فنونه والإتقان من رسمه وكتابته الصحيحة . وكثيراً ما كانت الكلمة تكتب على غير قياس النطق بها ، ولا زال بقي شيء من ذلك في رسم الخطّ الراهن . كانوا يكتبون الكلمة وفيها تشابه واحتمال وجوه : فالنون الأخيرة كانت تكتب بشكل لا يفترق عن الراء ، وكذا الواو عن الياء . وربّما كتبوا الميم الأخيرة على شكل الواو ، والدال على صورة الكاف الكوفيَّة ، والعين الوسط كالهاء ، كما ربّما كانوا يفكِّكون بين حروف كلمة واحدة ، فيكتبون الياء منفصلة عنها ، كما في « يستحى ى » و « نُحى ى » و « احى ى » أو يحذفونها رأساً كما في « إيلافهم » كتبوها « إلا فهم » بلا ياء . الأمر الَّذي أشكل على بعض القرّاء فقرأها وفق الرسم بلا ياء ، قرأ ذلك أبو جعفر « 5 » فقد قرأ « ليلاف قريش » بحذف الهمزة وإثبات الياء ، و « إلافهم رحلة الشتاء والصيف » بإثبات الهمزة وحذف الياء .
وقرأ ابن فليح « إلفِهِم » بالهمز وسكون اللّام . وهكذا اختلف القرّاء في هذه الكلمة
هامش
( 1 ) آل عمران : 184 وفيه « والزُبر » .
( 2 ) الكشف : ج 1 ص 370 . والمجمع : ج 2 ص 548 .
( 3 ) آل عمران : 133 .
( 4 ) الكشف : ج 1 ص 356 . والتحبير : ص 99 .
( 5 ) مجمع البيان : ج 1 ص 544 ، شرح مورد الظمآن : ص 143 .