الخاصّ - مشكلة حاضرة ، فإنّها - بوجهها العامّ - سوف تعالج مشاكل الامّة على مرّ الأيام .
قال الإمام أبو جعفر عليه السلام : ولو أنّ الآية نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات والأرض ، ولكلّ قومٍ آية يتلونها هم من خير أو شرّ « 1 » .
نعم ، إنّ الحكمة في نزول آية أو سورة ليست بالتي تقصر على معالجة مشاكل حاضرة ، وليست دواءً وقتيّاً لداءٍ عارضٍ وقتي ، إذاً تنتفي فائدتها بتبدّل الأحوال والأوضاع . بل القرآن - في جميع آيهِ وسوَره - نزل علاجاً لمشاكل امَّة بكاملها في طول الزمان وعرضه .
وإلى ذلك يشير قولهم عليهم السلام : نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة « 2 » .
وهذا الوجه العامّ للآية هو ناموسها الأكبر الكامن وراء ذلك الوجه الخاصّ ، وإنّما يلقي بأضوائه على الآفاق من وراء ذلك الستار الظاهري ، وتنبعث أنواره من ذلك البطن الكامن وراء هذا الظهر .
وهذا من اختصاص القرآن في بيان مقاصده من الوجهين الخاصّ والعامّ ، ومن ثم فإنّ له تنزيلًا ( الذين نزل فيهم ) وتأويلًا ( الذين عملوا بمثل أعمالهم ) . وذلك ظهره وهذا بطنه .
غير أنّ الوقوف على تأويل القرآن وفهم بطون الآيات إنّما هو من اختصاص الراسخين في العلم ، ممّن ثبتوا على الطريقة فسقاهم ربُّهم ماءً غدقاً « 3 » .
ومن ثمّ قال الإمام أبو جعفر عليه السلام - بعد أن تلا الآية - : « نحن نعلمه » أي التأويل وفي رواية أخرى : « تعرفه الأئمّة » « 4 » .
* * * قال تعالى :
« وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ »
« 5 »
.
هذه الآية نموذج من الآيات ذوات الوجهين ، لها تنزيل ولها تأويل ، ظهر وبطن ، وإنّما يعلم سرّها الكامن أولوا البصائر في الدين الأئمّة المعصومون عليهم السلام .
هامش
( 1 ) تفسير العيّاشي : ج 1 ص 10 ح 7 .
( 2 ) المصدر : ح 4 .
( 3 ) راجع آية 16 من سورة الجنّ .
( 4 ) بصائر الدرجات : ص 196 ح 7 و 8 .
( 5 ) البقرة : 115 .