نزولها « 1 » .
إلّا أنّ السيوطي خصّ أسباب النزول بالنوع الأوّل ، ورفض أن يكون بيانه قصّة سالفة سبباً لنزول سورة أو آية قرآنية ، ومن ثمّ اعترض على الواحدي - في أسباب النزول - قوله :
نزلت سورة الفيل في قصّة أصحاب أبرهة الذي جاء لهدم الكعبة « 2 » .
قال : والذي يتحرّر في سبب النزول أنّه ما نزلت الآية أيام وقوعه ، ليخرج ما ذكره الواحدي في سورة الفيل من أنّ سببها قصة قدوم الحبشة ، فإنّ ذلك ليس من أسباب النزول في شيء ، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية ، كذكر قصّة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك « 3 » ، مع أنّ الواحدي لم يصرّح بالسبب ، بل ذكر أنّها نزلت في قصّة أصحاب الفيل .
ولا وجه لما تضايق السيوطي على نفسه وعلى الآخرين ، بعد أن كان المصطلح على دواعي النزول هي المناسبات المقتضية لنزول قرآن ، سواء أكانت حادثة واقعة ، أم اختلافاً في مسألة شرعية فرعية أو عقائدية ، أم قصّة غابرة كانت ذات عبرة أو موضع اختلاف ، فأراد اللَّه تعالى تحريرها وتهذيبها وتطهير ساحة قدس أوليائه الكرام .
التنزيل والتأويل
سأل الفُضَيلُ بن يسار الإمامَ أبا جعفر الباقر عليه السلام عن الحديث المعروف : ما في القرآن آية إِلّا ولها ظهر وبطن ، فقال عليه السلام : ظهره تنزيله وبطنه تأويله ، منه ما قد مضى ومنه مالم يكن ، يجري كما تجري الشمس والقمر « 4 » .
وقال عليه السلام : ظهر القرآن الذين نزل فيهم ، وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم « 5 » .
ذلك أنّ للآية وجهاً مرتبطاً بالحادثة الواقعة - التي استدعت نزولها - ووجهاً آخر عامّاً تكون الآية بذلك دستوراً كلّياً يجري عليه المسلمون أبدياً ، وكما أنّ الآية عالجت - بوجهها
هامش
( 1 ) البرهان للزركشي : ج 1 ص 31 - 32 .
( 2 ) أسباب النزول للواحدي : ص 259 .
( 3 ) لباب النقول بهامش الجلالين : ج 1 ص 5 .
( 4 ) بصائر الدرجات : ص 196 ح 7 .
( 5 ) تفسير العيّاشي : ج 1 ص 11 ح 4 .