أمثل من لا يعرف الأبّ من القتّ « 1 » ويجهل الكثير من الآداب والسنن « 2 » يقوم بتأنيب ناموس الشريعة وصميم العربية الفصحاء ؟ ! إن هذا إلّاوهم ناشئٌ عن عصبية عمياء ، أعاذنا اللَّه منها !
* * * وبعد ، فإذ قد عرفت قيمة ما اسند من روايات أسباب النزول الواردة في أهمّ الكتب الحديثية ، فكيف بالمقطوع والمرسل والمجهول . . . الأمر الذي يُنبئُك عن أصالة مالدينا من صحاح الروايات في هذا الباب . وقد صحّ كلام الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصل معتمد :
المغازي والملاحم والتفسير .
هذا السيوطي يخرّج لقوله تعالى :
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
« 3 » خمسة أوجه :
الأوّل : إنّه في تحويل القبلة وارتياب اليهود في ذلك . عن ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .
الثاني : أن تصلّي حيثما توجّهت به راحلتك . أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عمر .
الثالث : إنّه كان في سفر ليلة ظلماء ، فصلّى كلّ رجل على حياله لا يدرون أين وجه القبلة . أخرجه الترمذي من حديث عامر بن ربيعة . وكذا الدارقطني من حديث جابر .
الرابع : لمّا نزلت
« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »
« 4 » قالوا : إلى أين ؟ فنزلت . أخرجه ابن جرير عن مجاهد .
الخامس : عن قتادة أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : إنّ أخاً لكم قد مات فصلّوا عليه ، فقالوا : إنّه كان لا يصلّي إلى القبلة . فنزلت .
قال السيوطي - تعقيباً على ذلك - : فهذه خمسة أسباب مختلفة ، وأضعفها الأخير
هامش
( 1 ) أخرج الطبري في تفسيره ( ج 30 ص 38 ) عن أنس قال : قرأ عمر سورة عبس ، فلمّا أتى على هذه الآية « وَفَاكِهَةًوأَبّاً » قال : عرفنا الفاكهة فما الأبّ ؟ . . . ثم قال : إنّ هذا لهو التكلّف ! . وأورده ابن كثير في تفسيره ( ج 4 ص 473 ) وصحّحه ، ثمّ تعجّب من عدم فهم عمر معنى الأبّ ، لأنّ الكلّ يعلم أنّه من نبات الأرض ممّا يقتات به البهائم لقوله تعالى بعد ذلك « متاعاً لكُمْ ولأنعامكم » فالأبّ علف الدوابّ كالقتّ .
( 2 ) راجع نوادر الأثر في علم عمر : ( الغدير : ج 6 ص 83 ) .
( 3 ) البقرة : 115 .
( 4 ) غافر : 60 .