فقوله تعالى :
« قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
« 1 » .
كان المقصود : المشيئة وَفق الحكمة ، فيؤتي المُلك من اقتضت حكمته تعالى ، وينزع المُلك ممّن اقتضت حكمته .
وهكذا
« نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ »
« 2 » ، أي من تقتضيه حكمتنا أن نرفعه ، أي من كانت المقتضيات متوفّرة في ذات نفسه ، فالاقتضاء إنّما هو في ذاته ، فهو محلّ صالح لهذه العناية الربّانيّة ، وليس اعتباطا أو ترجيحا من غير مرجّح ؛ حيث الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها .
والدليل على ذلك ، تذييل الآية بقوله :
« إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
فالحكيم لا يشاء شيئا إلّا ما كان وَفق حكمته ، وليس مطلق المشيئة .
* * * والتعابير من هذا القبيل كثيرة في القرآن ، وإنّما هي مصطلحات قرآنيّة ، لا تعرف إلّا من قبله ؛ ليكون القرآن هو الذي يفسّر بعضه بعضا .
ومن المصطلح المتعارف في القرآن ، اعتماده المعهود من قرائن حاليّة ، ليصدر أحكاما في صورة قضايا خارجيّة - إشارة إلى المعهود الحاضر حال الخطاب - وليست بقضايا حقيقيّة ، حتّى تكون الأحكام مترتّبة على الموضوعات ، متى وُجدت وأين وُجدت . هذه الظاهرة كثيرة الدور في القرآن الكريم ، وربّما زعم زاعم أنّها قضايا حقيقيّة دائمة ، وليست كذلك . مثلًا قوله تعالى :
« لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ »
« 3 » .
ليس المراد مطلَق اليهود ، سواء من عاصر نبيّ الإسلام أم غيرهم ، ولا مطلق من
هامش
( 1 ) - . آل عمران 26 : 3 .
( 2 ) - . الأنعام 83 : 6 .
( 3 ) - . المائدة 82 : 5 .