وأيسر كلمات ، ربّما يكون حجم المطالب أضعاف حجم الكلمات والتعابير . والقرآن ملؤه ذلك ، وهو من اختصاصه ، أن يُدلي بأوفر المعاني في أوجز الألفاظ .
هذه سورة الحجرات على قصرها ، وهي ثماني عشرة آية ، تحتوي على أكثر من عشرين مسألة من امّهات المسائل الإسلاميّة العريقة ، نزلت بالمدينة ؛ لتنظيم الحياة الاجتماعيّة العادلة . وقد تعرّض لها المفسّرون ولا سيّما المتأخّرين بتفصيل ، وتعرّضنا لأكثرها في تفسيرنا للسورة .
وممّا جاء فيها التعرّض لقاعدة « اللطف » التي هي أساس الشرائع ، ومسألة « الحبّ في اللّه والبغض في اللّه » التي هي أساس الإيمان ، في أقصر عبارة :
« وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ »
« 1 » . فمن لطفه تعالى وعنايته بعباده أن مهّد لهم أسباب الطاعة وقرّبها إليهم ، ليتمكّنوا من طاعة اللّه ويجتنبوا الفسوق والعصيان ، وذلك بأن زيّن الإيمان والطاعة في قلوبهم ، أي أبدى لهم زينة الإيمان ، بأن رفع عن أعينهم غشاء التعامي ، كما أنّه تعالى كرّه إليهم العصيان بأن أظهر قبحه في أعينهم فكرهوه في ذات أَنفسهم . فالمؤمن إنّما يطيع اللّه وهو محبَّب له الطّاعة ، ومن ثَمّ فإنّه يُقدم على الطاعة في وداعة وطمأنينة ويسر ، كما أنّه يجتنب المعاصي في يسر ؛ لأنّه عن نفرة لها في نفسه .
وهذه هي قاعدة اللطف تمهيد ما يوجب قرب العباد إلى الطاعة وبُعدهم عن المعصية ، مستفادة من الآية الكريمة .
وشيء آخر : مسألة « الحبّ في اللّه والبغض في اللّه » وهي أساس الإيمان وصلب العقيدة ، والباعث على الجدّ في العمل ، ومن ثَمّ قال الإمام الصادق عليه السلام : « وهل الإيمان إلّا الحبّ والبغض ، ثمّ تلا الآية الكريمة » « 2 » وقد قال تعالى :
« قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) - . الحجرات 7 : 49 .
( 2 ) - . الكافي ، ج 2 ، ص 125 رقم 5 .
( 3 ) - . آل عمران 31 : 3 .