في عالم التكوين ، موقوف على إذنه تعالى ، بأن يفيض على عامل التأثير خاصيّته التأثيريّة ، حالة التأثير ، أي يُديمها ولا يقطع إفاضته عليه حينذاك ، وإلّا لما أمكن لعامل التأثير أن يؤثّر شيئا
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
« 1 » تلك إرادته تعالى الحادثة ، هي التي أمكنت للأشياء تأثيرها وتأثّرها في عالم الطبيعة ، ولولاها لما أمكن لعامل طبيعيّ أن يؤثّر شيئا في عالم الوجود ، وهذا هو المراد من تداوم إفاضته تعالى في عالم التكوين .
قال تعالى :
« وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ »
« 2 » فلولا إذنه تعالى ، أي تداوم إفاضة - إمكان التأثير من قبله تعالى - لما أمكن لسحرهم أن يؤثّر شيئا .
وذلك نظرا لأنّ عوامل التأثير في عالم الوجود ، إنّما هي متأثّرة - في إمكان تأثيرها - بتأثيره تعالى ؛ إذ لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ؛ حيث الممكنات بأسرها فقيرات في ذوات أنفسها ، فكما أنّها بذاتها محتاجة إلى إفاضة الوجود عليها ، كذلك أثرها في عالم الطبيعة أمر ممكن ، ومحتاج لإفاضة الوجود عليه . ففور إرادة التأثير يجب تداوم إفاضة إمكان التأثير عليه حتّى يتمكّن من التأثير
« وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ »
« 3 » أي بإمكان التأثير الحاصل من قبله تعالى .
وهذا هو معنى « الإذن » في التكوين ، حسب المصطلح القرآنيّ ، مستفادا من قوله تعالى :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
« 4 » .
* * * وقد دأب القرآن على إسناد الأفعال الصادرة في عالم الوجود كلّها إلى اللّه ، سواء أكان فاعلها فاعلًا إراديّا كالإنسان والحيوان ، أم غير إراديّ كالشمس والقمر ، وليس ذلك إلّا من جهة أنّه المؤثّر في تحقّق الأفعال مهما كانت ، اختياريّة أم غير اختياريّة . إنّه تعالى هو الذي أقدر الأشياء على فعل الأفعال ، وأمدّهم بالقوى ، وأفاض عليهم الإقدار بصورة
هامش
( 1 ) - . التكوير 29 : 81 .
( 2 ) - . البقرة 102 : 2 .
( 3 ) - . الأعراف 58 : 7 .
( 4 ) - . الإنسان 30 : 76 .