وأمر ثالث مستفاد من الآية الكريمة : أنّ هدايته للناس كانت فضلًا من اللّه ورحمة ، ناشئة عن مقام فيضه القدّوسيّ ، وليس عن حقّ عليه سبحانه
« فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ »
« 1 » ،
« وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ »
« 2 » .
فالإنسان بذاته لا يستحقّ شيئا على ربّه ، وإنّما اللّه هو الذي تفضّل على الإنسان برحمته
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ »
« 3 » ، ومن ثَمّ عقّب سبحانه الآية بقوله :
« فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
« 4 » .
* * * وفي السورة إشارة إلى مسألة التعاون في الحياة الاجتماعيّة ، جاءت في قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
« 5 » .
وفيها الإشارة إلى مسألة « المساواة » وأن لا شعوبيّة في الإسلام ، ولا عنصريّة ، ولا قوميّة ، وأن لا فضل لأحد على غيره إطلاقا ، لا حسبا ولا نسبا ، إلّا بفضيلة التقوى ، وهو التعهّد في ذات اللّه .
كما فيها الإشارة أيضا إلى مسألة « الأُخوّة الإسلاميّة » المتطلّبة للإيثار والتضحية ، فوق قانون العدل والإنصاف .
* * * وفي القرآن كثير من عبارات يسيرة انطوت على مفاهيم ذات أحجام كبيرة .
كقوله تعالى في سورة الأنفال :
« وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
« 6 » إشارة إلى مسألة « الأمر بين الأمرين » وأن لا جبر ولا تفويض ، وهي من المسائل المذيّلة ذات تفصيل طويل .
هامش
( 1 ) - . البقرة 64 : 2 .
( 2 ) - . القصص 86 : 28 .
( 3 ) - . الأعراف 43 : 7 .
( 4 ) - . الحجرات 8 : 49 .
( 5 ) - . الحجرات 13 : 49 .
( 6 ) - . الأنفال 17 : 8 .