تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
قال تعالى :
« وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ »
« 1 » . غير أنّ الذين يُحشرون إلى النار هم أعداء اللّه جميعا وليس فريق منهم ، قال تعالى :
« وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ »
« 2 » . قوله : يوزعون ، أي يدفع بعضهم بعضا فيتدافعون إلى النار لكثرتهم وازدحامهم . أمّا تلك الآية فالحشر والتدافع كان بالفوج فحسب ، وليس كلّ أعداء اللّه . والتفسير بالزعماء والقادة أمام الأتباع والسَفَلة ، تخرّص بالغيب لا مستند له .

العاشر : مسألة البداء

البداء في التكوين كالنسخ في التشريع ، أمر واقع ، وقد صرّح به الكتاب وتواترت به الروايات ، عن أهل بيت العصمة . وهو كالنسخ ، له معنى باطل ومستحيل على اللّه تعالى ، وهو عبارة عن نشأة رأي جديد . هذا المعنى مستحيل على اللّه ، ولا تصحّ نسبته إليه تعالى شأنه . وله معنى آخر ، هو معقول ، عبارة عن ظهور أمر بعد خفائه على الناس . كان يعلم به اللّه منذ الأزل ، وقدّره كذلك منذ البدء ، ولكن لمصلحة في التكليف أخفاه ثمّ أبداه لوقته . كما في مسألة النسخ ، كان الأمد ( أمد التكليف ) معلوما للّه ومقدّرا من البدء ، سوى أنّ الناس حسبوا دوامه واستمراره استنادا إلى ظهور اللفظ في الدوام ، ما لم يأت ناسخ . وهكذا الأجل في مسألة البداء ، له ظاهر يعلمه أُولوا البصائر في أسرار الوجود ، وله واقع يعلمه علّام الغيوب ، فَيُبديه لوقته وَفق حكمته . فالبداء من البدوّ ، أي الظهور ، إنّما يحصل للناس ، وكانت نسبته إلى اللّه مجازا بالمناسبة ؛ لأنّه الذي يُظهره لهم . وتشبيه في التعبير ، كأنّه بدا للّه ، وهو في الحقيقة إبداء منه تعالى . وإليك من دلائل الكتاب ما يدلّك على هذه الحقيقة ، مشفوعة بنبذ من كلمات الأئمّة الأطهار .
هامش
( 1 ) - . النمل 17 : 27 . ( 2 ) - . فصّلت 19 : 41 .